وثيقة قضائية سنة 1165هـ تكشف امتداد حكم الأشراف إلى بلاد الباحة وترسّخ قاعدة «العادة محكَّمة»

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

ليست قيمة الوثيقة التاريخية في تسجيل واقعةٍ قضائية مضت فحسب، وإنما فيما تكشفه من أحوال السياسة والإدارة والقضاء والعلم والعمران والمجتمع في زمنها. وهذه الوثيقة القضائية، المحررة في الرابع عشر من جمادى الأولى سنة 1165هـ، تقدم صورة متكاملة عن الحياة السياسية والقضائية والاجتماعية في المنطقة التي تدخل اليوم ضمن نطاق منطقة الباحة، وتكشف عن امتداد سيادة حكم الأشراف إليها، وارتباطها بالولاية السياسية لشريف مكة الشريف مساعد بن سعيد، رحمه الله، الذي كانت تدين له تلك البلاد بالولاء.

كما تحفظ الوثيقة أسماء عدد من الفقهاء والأسر المالكة للأرض، وتبرز حضور الأبالجة بوصفهم ملاكًا قدامى للأملاك، وأهل علم وفقه وقضاء، وتقدم نموذجًا رفيعًا لقوة الاستنباط القضائي، والاحتكام إلى شرع الله تعالى، وإعمال القواعد الفقهية في حفظ حقوق الناس ورفع الضرر عنهم.

نص الوثيقة

الحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

أشرفتُ على مسطور سيدي الفقيهين اللذين هما حسين بن إبراهيم الأبلجي وموسى بن حسين الأبلجي، فإذا هو متضمنٌ دعوى مسيل وغيل في مجنب حرف عندهم، الذي يحاذيه الخانق الأعلى وبلدة الزبدة وركيب المكارمة، ثم يفيض في حبلة عبد الله بن جاري في الحبس المعروف.

وذلك المجنب محدد أمره على أملاك الأقدمين الذين هم الأبالجة، من ملكهم في ملكهم، ثم على ملاكها المتأخرين إلا بالحجة، وغيرهم، سيلًا وغيلًا، عادةً، عبر حبسى، منفسًا للمعمورات التي تحاذي ذلك المجنب.

ومتضمن أمر العادة للسيل والغيل من الملاك المتأخرين، ومن سبلهم الذين أخرتهم، والمرحوم محمد بن جمعان، ومتضمن دعوى من أولاد ابن جمعان، يدعون أن أباهم اشترى ذلك المجنب، طريق السيل والغيل، من موسى وحسين المذكورين.

ومتضمن حكمين: فحكم من الفقيه محمد بن بخيت بصحة البيع، وحكم من الفقيه عطية بن علي الحزنوي ببطلان ذلك البيع؛ حيث يعد من حرمات المعمورات التي تحاذيه.

فلما تأملت ذلك المسطور وحققته، حكمت بصحة حكم الفقيه عطية المذكور، بالعادة المترتبة يدًا بعد يد للسيل والغيل، وحكمت ببطلان جميع التصرفات في ذلك المجنب بيعًا وغيره، ولاجتماع البينة.

وحكمت، ثم حكمت، ثم حكمت، ببطلان الحكم الصادر من محمد بن بخيت بصحة بيع المجنب المذكور، وأن يتحمل بائعه الضرر، أو حصل انتفاع بدونه، كما هو ظاهر الشريعة الغراء، أعزها الله تعالى بدوام دولة سيدنا مساعد بن سعيد.

فقد قال النبي: «الضرر يزال»، وقال: «الضرر لا يزال بالضرر»، والعادة محكمة، وظاهر النص تحريم المعمور.

ومن قال خلاف ذلك فهو متبع هواه، والله ورسوله خصماه، ومن لم يحكم بما أمر الله فأولئك هم الظالمون.

والله أعلم وأحكم، وبالله التوفيق.

قال ذلك الفقير إلى الله تعالى: سعيد بن المرحوم عبد الواحد بن عطا الله، المعروف بأبي زغدين الهمداني، سامحه الله بلطفه الخفي، ووالديه وجميع المسلمين.

حُرر ذلك في الرابع عشر من جمادى الأولى عام 1165هـ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *