وقف السلطان شير شاه الأفغاني في مكة المكرمة وثيقة تكشف تاريخ الأوقاف وتحفظ أسماء الأسر وتوثق التحولات العمرانية
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
تُعد وثائق الأوقاف من أغنى المصادر التاريخية التي حفظت تفاصيل الحياة في مكة المكرمة، فهي لا تقتصر على بيان الأعيان الموقوفة وشروط الواقفين، بل تمتد لتوثق أسماء الرجال والأسر والمباني والحدود، وأنظمة إدارة الأوقاف، فتغدو سجلًا اجتماعيًا وعمرانيًا يعكس صورة مكة المكرمة في زمانها.
ومن هذا النوع من الوثائق تبرز هذه الحجة الخاصة بوقف السلطان شير شاه الأفغاني، التي تكشف جانبًا من عناية المسلمين من خارج الجزيرة العربية بالأوقاف المكية، وتؤكد أن خدمة مكة المكرمة لم تكن مقصورة على أهلها، بل شارك فيها سلاطين وأمراء ومحسنون من مختلف أنحاء العالم الإسلامي، فأسسوا الأوقاف وأوقفوا العقارات ضمانًا لاستمرار النفع جيلاً بعد جيل.
وتكتسب الوثيقة أهمية كبيرة في التاريخ والأنساب بما حفظته من أسماء عدد من الأشخاص الذين ارتبطوا بالوقف أو وردت أسماؤهم عند بيان حدوده وإدارته، وهو ما يجعلها مصدرًا مهمًا لدراسة الأسر المكية، وربط الأسماء الواردة فيها بالوثائق الشرعية والأوقاف الأخرى المعاصرة.
وتبرز أسماء الكتبي والمش وباقازي والمصلي
من أبرز ما حفظته الوثيقة السيد محمد حسين محمد مكي الكتبي، وهو من السادة السيواسيّة، وقد ترجم لعدد من أسلاف هذه الأسرة العلامة محمد مرتضى الزبيدي في المعجم المختص، ومن أشهرهم الشاعر المحب للجناب النبوي العلامة السيد محمد أمين الكتبي. ويجدر التنبيه إلى أن لقب الكتبي صفة وظيفية مرتبطة بمهنة الكتابة والنسخ، ولذلك اشتركت فيه أسر متعددة لا يجمع بينها نسب واحد.
كما حفظت الوثيقة أسماء حسين المصلي، ومحمد عيد عبدالرحمن المش، وعوض عبدالله عوض باقازي الحضرمي، إلى جانب محمد سعيد أبي الخير بن الشيخ أحمد أبو الخير ميرداد ناظر الوقف، وهي أسماء تضيف مادة علمية مهمة لدراسة تاريخ أسر مكة المكرمة، ويمكن الإفادة منها عند مقارنتها بالوثائق الشرعية الأخرى وسجلات المحاكم والأوقاف المعاصرة، بما يسهم في توثيق وجود هذه الأسر وأدوارها داخل المجتمع المكي في تلك الحقبة.
نظام دقيق لإدارة الأوقاف
وتكشف الوثيقة كذلك جانبًا مهمًا من التنظيم الإداري للأوقاف في مكة المكرمة؛ إذ يظهر منها أن للمستحق الساكن حق إفراغ استحقاقه لمن يشاء بعد استئذان المحكمة الشرعية، وبموافقة ناظر الوقف، وهو نظام يعكس دقة الإدارة الوقفية وخضوع انتقال حقوق الاستحقاق لرقابة القضاء الشرعي، بما يحقق المحافظة على شروط الواقف وصيانة حقوق المستحقين.
ومن المصطلحات اللافتة في الوثيقة لفظ «المسقفات»، والمقصود به المباني المشيدة الواقعة ضمن الوقف، وهو اصطلاح وثائقي وفقهي معروف، يميز المباني عن الأراضي غير المبنية، ويؤكد أن الوقف كان يشتمل على منشآت قائمة ينتفع بها وفقًا لشروط الواقف.
وثيقة ترسم ملامح مكة قبل أكثر من قرن
ولا تقف أهمية هذه الوثيقة عند حدود الوقف أو الأنساب، بل تمتد إلى دراسة التاريخ العمراني لمكة المكرمة؛ إذ يمكن، بعد مرور أكثر من قرن وعقد على تحريرها، مقارنة أسماء البيوت والمسقفات والعقارات والحدود الواردة فيها بما آل إليه الواقع العمراني اليوم، للوقوف على ما اندثر من المباني، وما تغير من الأحياء، وما تبدلت وظائفه بفعل التوسعات المتعاقبة التي شهدتها مكة المكرمة. وبذلك تتحول الوثيقة إلى شاهد حي على تطور المدينة وتحول نسيجها العمراني عبر الزمن.
وتؤكد هذه الوثيقة أن صكوك الأوقاف ليست مجرد حجج لإثبات الملكيات أو تنظيم الاستحقاقات، وإنما هي أوعية معرفية تحفظ تاريخ مكة المكرمة، وأنساب أسرها، وأسماء رجالها، وأنظمتها القضائية والإدارية، ومعالمها العمرانية. وكلما اجتمعت هذه الوثائق، وقورنت بغيرها من السجلات الشرعية والوثائق التاريخية، ازدادت قدرتها على إعادة بناء صورة مكة كما كانت قبل أكثر من مائة وعشر سنوات، لتظل شاهدًا حيًا على تاريخ المدينة المقدسة، وعلى الدور الحضاري الذي اضطلعت به الأوقاف الإسلامية في حفظ عمرانها ومجتمعها وذاكرتها التاريخية.
