نابليون في روسيا.. دخل بنصف مليون جندي وخرج مهزومًا هاربًا!

كتب دكتور/ شريف الجندي 

دخل روسيا بنصف مليون جندي… وخرج منها هاربًا!

في صيف عام 1812، وقف #نابليون بونابرت على حدود روسيا أمام واحدة من أضخم الحملات العسكرية التي عرفها التاريخ. خلفه كان يمتد «الجيش الكبير»؛ أكثر من نصف مليون جندي، جاءوا من فرنسا وبولندا وألمانيا وإيطاليا والنمسا وغيرها، جيش هائل بدا وكأنه أمة كاملة تسير خلف إمبراطورها.

كان نابليون يعتقد أن الحسم لن يستغرق وقتًا طويلًا.

لكن #روسيا لم تكن تنتظره لتقاتله بالطريقة التي أرادها.

منذ الأيام الأولى، بدأ الروس في الانسحاب، تاركين خلفهم الأرض المحروقة. لم يجد الجيش الفرنسي معارك كبرى في البداية، لكنه وجد شيئًا أكثر خطورة: مسافات لا تنتهي، وقرى خالية، ومخازن مدمرة، وطرقًا تتحول مع الأمطار إلى مستنقعات.

كلما تقدم نابليون إلى الداخل، ابتعد عنه النصر.

كانت العربات تغوص في الوحل، والخيول تنهار من الإرهاق والعطش. وفي الأسابيع الأولى، خسر الجيش عشرات الآلاف من الخيول، بينما بدأ المرض ينتشر بين الجنود المنهكين، فأصبح التيفوس وغيره من الأوبئة عدوًا لا يمكن للمدافع أن تصده.

ومع ذلك، استمر نابليون في التقدم.

كان هدفه واضحًا: #موسكو.

ربما كان يعتقد أن سقوط العاصمة التاريخية سيجبر القيصر ألكسندر الأول على طلب السلام، وأن الحرب ستنتهي بانتصار جديد يضاف إلى أمجاد الإمبراطور.

وفي سبتمبر، وصل الجيش إلى موسكو.

لكن المشهد الذي انتظره نابليون لم يكن هناك.

لم يجد قيصرًا يطلب السلام، ولا وفودًا تستقبله، ولا سكانًا يحتشدون في الشوارع.

وجد مدينة شبه خالية.

ثم بدأت النيران.

اشتعلت أجزاء واسعة من موسكو، وتحولت المدينة إلى بحر من اللهب والدخان. احترقت مخازن ومبانٍ وأحياء، وضاعت على الجيش الفرنسي مؤن كان في أمسّ الحاجة إليها.

جلس نابليون في الكرملين ينتظر.

يومًا بعد يوم.

كان ينتظر رسالة من القيصر، أو مبادرة سلام، أو أي إشارة تعني أن انتصاره قد تحقق.

لكن الرسالة لم تأتِ.

وبدلاً من أن تنتهي الحرب، بدأ الشتاء يقترب.

كان نابليون قد وصل إلى موسكو، لكنه اكتشف أن احتلال المدينة لا يعني شيئًا إذا لم يكن هناك من يطلب الاستسلام.

بدأ الطعام ينفد، وبدأت الخيول تُذبح لإطعام الجنود، بينما أخذ البرد يزحف إلى صفوف الجيش.

وفي أكتوبر، لم يعد أمام نابليون سوى قرار واحد:

**الانسحاب.**

لكن الطريق الذي عاد منه لم يكن الطريق الذي جاء به.

كان الجيش الآن أضعف بكثير، والروس قد توقفوا عن التراجع وبدأوا في المطاردة. ظهرت قوات القوزاق حول الجيش، تضرب وحداته المتأخرة وتهاجم القوافل وتستهدف الجنود المنهكين.

ثم جاء الشتاء.

تحولت الطرق إلى مقبرة مفتوحة.

كان الجنود يسيرون وسط الثلوج بملابس لا تكفي لمواجهة البرد، وأحذية ممزقة، وبطون خاوية. كانت الخيول تسقط واحدة تلو الأخرى، والعربات تتعطل، والرجال يتساقطون من شدة البرد والمرض والإرهاق.

لم يعد الجيش الكبير يشبه ذلك الجيش الذي عبر حدود روسيا قبل أشهر.

كان يتحول إلى حشود هاربة تبحث فقط عن طريق للنجاة.

ثم وصلوا إلى نهر بيريزينا.

وهناك اقتربت الكارثة من ذروتها.

كان النهر عائقًا هائلًا، والقوات الروسية تضغط من الخلف. لم يكن أمام الفرنسيين سوى عبور النهر بسرعة، فبدأ المهندسون ببناء جسور مؤقتة عند ستوديينكا وسط ظروف قاسية وتحت ضغط الهجمات الروسية.

نجح جزء كبير من الجيش في العبور.

لكن الآلاف من المتأخرين والمرضى والجرحى ظلوا على الضفة الأخرى.

ومع اقتراب الروس، اضطر الفرنسيون إلى تدمير الجسور.

خلفهم بقي أناس لم يعد لديهم طريق للنجاة.

كانت بيريزينا لحظة كشفت الحقيقة كاملة:

**الجيش الذي دخل روسيا كقوة لا تُقهر أصبح الآن يقاتل فقط من أجل البقاء.**

وبعد أسابيع من المسير والجوع والبرد والمطاردة، لم يعد نابليون قادرًا على إنقاذ ما تبقى من جيشه.

في ديسمبر، غادر روسيا متجهًا إلى باريس، تاركًا وراءه جيشًا محطمًا ومئات الآلاف من القتلى والمفقودين والمرضى والمتخلفين عن المسير.

لم تكن روسيا قد أسقطت نابليون في معركة واحدة فاصلة.

لقد فعلت شيئًا أكثر قسوة.

تركت جيشه يتقدم إلى الداخل… ثم جعلت **المسافة، والمرض، والجوع، والنار، والبرد، والوقت** تعمل ضده.

دخل نابليون روسيا بجيش هائل ظن أنه قادر على إخضاع إمبراطورية كاملة.

وعندما خرج منها، كان ما تبقى من ذلك الجيش مجرد ظل لما كان عليه.

لقد انتصر نابليون في معارك كثيرة طوال حياته…

لكن في روسيا، لم يكن خصمه جيشًا واحدًا.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *