حين ترفض فكرة أن تبقى فصلًا… وتطلب كتابًا كاملًا

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات 

كنت أظن أن رحلتي مع “القصص القرآني” مجرد محطة عابرة في كتاب يوشك على الاكتمال، كتابٌ يبحث في نظرية قرآنية لبناء الإنسان، قسمه الأول تأسيسي، وقسمه الثاني تطبيقي يُثبت أن هذا البناء ممكن واقعًا لا نظريًا فحسب.

وحين بحثت عن المعمل الأصدق الذي يُثبت تلك النظرية، وجدت القصص القرآني ينتظرني هناك غنيًا حتى الإبهار، تتبعت مشاهده، جمعت فسيفساءه، ورأيت فيه فعلًا ما كنت أبحث عنه: إنسانًا يُبنى، خطوة بخطوة، من علاقته بربه إلى شهادته في العالم.

لكن شيئًا آخر كان يحدث تحت السطح، لم أنتبه له إلا متأخرًا…. كنت أستخدم القصص لأصل إلى نظرية قادرة على التمثل واقعا، لكن القصص نفسها كانت تصر على أن تقال بطريقة أخرى، مختلفة كليًا.

لم تعد الأسئلة التي تشغلني هي “كيف يُبنى الإنسان؟” بل سؤال أعمق وأكثر إزعاجًا: لماذا لا توجد قيمة واحدة في القرآن مُنحت مجانًا؟

تأمّلت إبراهيم، فرأيته يدفع ثمن يقينه: النار، الهجرة، الابن… تأمّلت يوسف فرأيته يدفع ثمن عفته: سنوات في سجن لم يكن يستحقه ظاهريًا… تأمّلت موسى، فرأيته يدفع ثمن رسالته: خوفًا، غربة، مواجهة مفتوحة مع أعتى سلطة في زمانه.

ولم يكن الثمن عقوبة ولا اختبارًا عبثيًا، كان بمثابة شرط الوصول نفسه… لا مكانة بلا دفع.

ثم نظرت إلى الجهة المقابلة، إلى من رفض أن يدفع… فرعون طلب العلوّ في الأرض لكنه رفض ثمنه… العدل والمحاسبة، فانهار رغم كل قوته: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ… إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾. وقارون طلب البقاء والاعتراف، ورفض ثمنه وهو رد الفضل والزكاة، فابتلعته الأرض بكل ما جمع.

وهنا أدركت أن ما بين يدي ليس مجرد درس أخلاقي متكرر، بل نظام كامل… اقتصاد قيمي دقيق، له أثمانه وعوائده، ينطبق على الأنبياء كما ينطبق على الطغاة، وينطبق – وهذا ما أثارني أكثر – على الأمم كما ينطبق على الأفراد.

ففرعون ليس شخصًا فقط، هو نمط حكم رفض ثمن العدل، وقارون ليس فردًا فقط، هو نظام اقتصادي رفض ثمن رد الفضل.

فإذا كان هذا صحيحًا، فإن السؤال الذي يطرحه هذا الاقتصاد القيمي على أي أمة اليوم هو: أي مكانة نطلبها ونحن نرفض دفع ثمنها الداخلي؟

هذا سؤال لا يحتاج مني رأيًا، لأنه ليس رأيي. إنه نمط متكرر في النص نفسه، أدَعه يتكلم.

أدركت حينها أن هذه المادة لا تخدم كتابي الأول، بل تتجاوزه. لم تعد مثالًا يثبت نظرية فقط، بل صارت نظرية مستقلة بذاتها، تستحق كتابًا كاملًا يقف على قدميه.

فبدأت رحلة جديدة، عنوانها المؤقت: “اقتصاد القيم في القصص القرآني” وهي محاولة قراءة للقرآن بوصفه سجلًّا لصفقات وجودية، لا مجرد سرد لعبر متفرقة… من يدفع الثمن يُمنح المكانة، ومن يطلبها بلا ثمن ينهار، فردًا كان أو أمة.

سأشاركم في المنشورات القادمة كيف ستتشكل فصول هذا الكتاب ونماذجه، وحتى أسئلته الحرجة التي لم أُجب عنها بعد.

فتابعوني 🌹🌹🌹

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *