هل صحيح أن من يسب الله ورسوله لا تقبل توبته، وما القول الراجح في المسألة مع ذكر الدليل؟ 

الدكتور/ فهد بن محمد بن حمد السليِّم 

عميد كلية أصول الدين سابقاً 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أحسن الله إليكم سائل يقول:

هل صحيح أن من يسب الله ورسوله لا تقبل توبته، وما القول الراجح في المسألة مع ذكر الدليل؟

أفيدونا جزاكم الله خيرًا ونفع بكم الإسلام والمسلمين!

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأحسن الله إليك وجزاك خيراً على حرصك على طلب العلم ونفع بك.

سب الله ورسوله هو من غليظ الكفر والردة والعياذ بالله، لكن من عظمة الإسلام ورحمة الله تعالى أن باب التوبة مفتوح لكل ذنب مهما عظم.

والقول الراجح الذي عليه المحققون من أهل العلم هو أن توبة من سب الله أو رسوله مقبولة في الآخرة بينه وبين الله إذا كانت توبة نصوحاً مستوفية لشروطها.

وإليك تفصيل المسألة والقول الراجح مع الأدلة والشواهد لبيان الفرق الدقيق فيها:

الراجح في حكم توبة من سب الله تعالى:

القول الراجح: توبته مقبولة كفراً ورَدّة، ويسقط عنه حكم القتل في الدنيا إذا تاب قبل القدرة عليه، ويغفر الله له في الآخرة.

الدليل الشامل: قوله تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا}.

والعلماء أجمعوا على أن هذه الآية في حق التائبين، وهي تشمل الشرك والكفر والسب.

دليل آخر: قوله تعالى عن النصارى الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وقالوا المسيح ابن الله (وهذا من أعظم السب): {أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ}. ففتح لهم باب التوبة بعد مقالتهم الشنيعة.

الراجح في حكم توبة من سب الرسول ﷺ (التفصيل الدقيق):

هنا يقع التفصيل واللبس الذي يسأل عنه الكثير، حيث فرّق العلماء (كشيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه “الصارم المسلول”) بين حكم التوبة في الآخرة وبين حكم القضاء في الدنيا:

في الآخرة (بينه وبين الله): توبته مقبولة قطعاً إذا صدق، لعموم الأدلة السابقة، ولأن الإسلام يهدم ما قبله والتوبة تجب ما قبلها.

في الدنيا (أمام القضاء والحدود): الراجح عند الحنابلة والصحيح من المذاهب أن الحد (وهو القتل) لا يسقط عنه في الدنيا حتى لو تاب.

العلة في ذلك: أن سب الرسول ﷺ يتضمن حقين: (حق الله وهو الردة) و(حق لآدمي وهو الرسول ﷺ).

والتوبة تُسقط حق الله، أما حق الآدمي فلا يسقط إلا بعفوه، وبما أن النبي ﷺ قد مات، فلم يعد عَفْوُه ممكناً، فيُقتل حداً في الدنيا، وتكون توبته نافعة له في الآخرة فيموت مسلماً ويُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين.

الدليل: أن النبي ﷺ أهدر دم جماعة ممن كانوا يسبونه ويؤذونه يوم فتح مكة (مثل ابن خَطَل)، ولم يُستتابوا، فدل على أن الحد وجب لحق الآدمي المحض الذي فات عَفْوه بموته.

خلاصة القول الراجح:

من سب الله ورسوله ثم تاب توبة صادقة، فإن توبته مقبولة في الآخرة بإجماع المحققين ولا تلازم بين قتله حداً في الدنيا وعدم قبول توبته في الآخرة. فحق الله مبني على المسامحة والغفران للتائب، وحقوق العباد مبنية على المشاحة واستيفاء القصاص في الدنيا.

منقول

وفق الله الجميع

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *