أنا شابٌّ اعتنقتُ الإسلام منذ أربع سنوات. أمي وجميع أفراد عائلتي غير مسلمين، وأنا أعيش في بلجيكا.

الدكتور/ فهد بن محمد بن حمد السليِّم 

عميد كلية أصول الدين سابقاً 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته شيخنا حياكم الله

أنا شابٌّ اعتنقتُ الإسلام منذ أربع سنوات.

أمي وجميع أفراد عائلتي غير مسلمين، وأنا أعيش في بلجيكا.

تعيش أمي وحدها مع طفليها الآخرين، وأسكن بجوارها، وأكون عندها تقريبًا كل يوم.

أما والدي فليس حاضرًا في حياتنا.

أرغب في مغادرة هذا البلد والقيام بالهجرة، لكن أمي لا تريد ذلك. فهي تبكي عندما أحدثها عن الأمر، ومن المرجح أنها ستبكي كثيرًا وتحزن إذا غادرت. وهي تقول إنها بحاجة إليّ، لأنني أُعدُّ لها دعمًا نفسيًا ومعنويًا، فبيننا محبة كبيرة.

لكن من الناحية الجسدية والمادية فهي لا تحتاج إليّ، إذ تقوم بمعظم شؤون منزلها بنفسها، وتعمل أيضًا، لذلك لا تحتاج إلى مساعدتي المالية.

مع العلم أنني لا أستطيع الابتعاد عن الفتن في هذا البلد، فقد وقعت في الزنا، وقد أقع فيه مرة أخرى بسهولة، ولا أستطيع غضَّ بصري، وغير ذلك من أسباب الفتنة.

فهل يجوز لي أن أهاجر، أم يجب عليَّ أن أبقى بجوار أمي؟

أحسن الله إليكم

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وحياك الله يا أخي وبارك فيك، وثبتك على الإسلام، وأحسن إليك وغفر ذنبك وستر عيبك. هنيئاً لك مغفرة ما سلف بدخولك في الإسلام، والحمد لله الذي أحيا قلبك بالغيرة على دينك وعفتك.

هذه المسألة من المسائل الدقيقة التي تتجاذبها أدلة شرعية عظيمة: وجوب الهجرة للفرار بالدين من الفتن، ووجوب بر الوالدين والإحسان إليهما ولو كانا غير مسلمين.

والإجابة: يجوز لك بل قد يجب عليك الهجرة في هذه الحالة لحماية دينك وعفتك، ولا يُعد ذلك عقوقاً محظوراً لأمك، بشرط أن تبذل وسعك في استرضائها والإحسان إليها بشتى الوسائل البديلة.

وإليك التفصيل الفقهي والموازنة الشرعية لحالتك:

تقديم حفظ الدين والعفة على رغبة الوالدين:

الفرار من الفتن واجب: حفظ الدين والنفس من كبائر الذنوب (كالزنا) هو أولى الكليات الخمس في الشريعة الإسلامية. وبما أنك ذكرت أنك وقعت في الزنا وتخاف تكراره لعدم قدرتك على غض البصر، فإن بقاءك في هذا البيئة المشحونة بالفتن يهدد أصل دينك واستقامتك.

لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق: بر الأم واجب عظيم، لكن إذا تعارضت رغبتها وبكاؤها مع أمر واجب عليك (وهو تحصين نفسك والابتعاد عن مواطن الحرام)، يقدم حق الله تعالى؛ لأن بقاءك بجوارها مع ارتكاب الكبائر فيه هلاك لآخرتك.

طبيعة حاجة أمك إليك:

عدم الحاجة المادية والجسدية: ذكرت أن والدتك مستغنية مادياً، وتقوم بشؤونها الجسدية بنفسها، ولديها طفلان آخران يؤنسانها، وهذا يخفف كثيراً من حرج مغادرتك؛ إذ لو كانت عاجزة طبياً أو تموت جوعاً ولا عائل لها غيرك لتعين عليك البقاء.

الحاجة النفسية والمعنوية: هذه الحاجة معتبرة شرعاً وتستوجب شفقتك، لكنها لا تصل إلى درجة منعك من العفة وحفظ الدين، ويمكن تعويضها بوسائل التواصل الحديثة والزيارات المستمرة.

الضوابط الشرعية لكي تهاجر دون أن تكون عاقاً:

حتى تجمع بين الأجرين (أجر الهجرة والفرار بالدين، وأجر البر)، يجب عليك اتباع الآتي:

التلطف التام في الخطاب: لا تخبرها بأنك فارّ منها أو مستغنٍ عنها، بل بين لها بأسلوب حزين وودود أنك مضطر للسفر لأجل مستقبلك، أو عملك، أو دراستك، أو راحتك النفسية، وحاول إقناعها تدريجياً.

البدائل الرقمية والاتصال المستمر: عاهدها على التواصل اليومي (عبر الفيديو والصوت)، واجعلها تشعر بوجودك الرقمي في حياتها، وشاركها تفاصيل يومك لتخفيف وطأة الفراق المعنوي.

الزيارات الدورية: احرص على تكرار زيارتها في بلجيكا كلما سمحت ظروفك المادية والنظامية، وقضاء الإجازات معها، وتقديم الهدايا لها لتبقى المحبة موصولة.

الاستمرار في دعوتها: برك بها وحرصك على صلتها رغم بعدك قد يكون أعظم سبب لشرح صدرها للإسلام، فاجعل هجرتك سبباً لزيادة إحسانك إليها لا لقطيعتها.

نصيحة عملية متممة:

إذا كانت الهجرة إلى بلد مسلم ستستغرق وقتاً لمعاملات وأوراق، فالواجب عليك فوراً الزواج لإعفاف نفسك، أو الانتقال مؤقتاً إلى حي أو مدينة أخرى داخل بلجيكا أو أوروبا تكون أقل فتنة وتتوفر فيها بيئة مسلمة صالحة تعينك على غض البصر، حتى تكتمل إجراءات هجرتك.

منقول

وفق الله الجميع

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *