لا أدري ماذا تصنع بعض الآيات في القلب حين تأتيه في وقتها كأنها لا تُتلى على السمع وإنما تُفتح لها في الروح نافذة…

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات 

كان الفجر اليوم هادئًا على نحوٍ جعل القلب أكثر قابلية لأن يسمع… وقفت في الصلاة والإمام يتلو من سورة الإنسان، حتى مرّ بي قوله تعالى “إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا”.

لا أدري ماذا تصنع بعض الآيات في القلب حين تأتيه في وقتها كأنها لا تُتلى على السمع وإنما تُفتح لها في الروح نافذة… هكذا كانت هذه الآية معي في هذا الفجر، توقفت عند كلمة واحدة منها، وبقيت أرددها في سري خي قوله تعالى “لِوَجْهِ الله”.

شعرت أن في هذه الكلمات سرًا من أسرار الطريق إلى الله؛ سرًا لا يتعلق بما نفعله فحسب، وإنما بالوجهة التي يمضي إليها القلب وهو يفعل، وكأن الآية تسألني وتسأل كل واحد منا في خلوته: حين تعطي وحين تحسن وحين تصبر وحين تحب وحين تتنازل وحين تفعل الخير في الخفاء… إلى من يتجه قلبك؟ ومن الذي تريده حقًا من وراء ذلك كله؟… وهنا بدأت أفكر في معنى أن يقول الإنسان: فعلتها لوجه الله.

لِوَجْهِ الله…

يا لها من كلمة! كأن القرآن لا يحدثنا هنا عن الطعام الذي يُعطى، ولا عن المعروف الذي يُصنع، بقدر ما يحدثنا عن الوجهة التي يتجه إليها القلب وهو يعطي ويصنع، فليس السؤال دائمًا ماذا فعلت؟ ولا حتى لمن فعلت؟ وإنما السؤال الأعمق: إلى أين مضى قلبك وأنت تفعل؟

فالعمل الواحد قد تفعله لله، وقد تفعله لنفسك، وقد تفعله للناس، وقد يبدأ لله ثم يتسلل إليه الناس من حيث لا تشعر… تعطي ثم تنتظر كلمة، تُحسن ثم تتطلع إلى التقدير، تقف مع إنسان في ضعفه ثم يبقى في القلب شيء صغير يمن على من فعلت له، وهنا ومن حيث لا نشعر يدخل الخلق بين العبد وربه.

أما لِوَجْهِ الله ففيها شيء آخر… فيها أن تجعل لله جهة قلبك، وأن تدع العمل يمضي إليه وحده، أن تعطي ثم لا تلتفت إلى يدك التي أعطت، ولا إلى عين من أخذت، أن تصنع المعروف ثم تطوي صفحته من ذاكرتك كأنك لم تفعل شيئًا، فإن كان الله قد رآه فما حاجتك إلى أن يراه أحد؟

ولعل من أصفى معاني الإخلاص أن تتحرر من انتظار الخلق… أن لا يكون في قلبك سؤال عن ماذا سيقولون عني؟ هل سيذكرونني؟ هل سيقدرون ما فعلت؟ هل سيردون لي الجميل؟ فإن كنت تنتظر منهم شيئًا فقد صار لهم في عملك نصيب.

أما إذا قلت فعلتها لوجه الله، فكأنك أغلقت باب المقايضة كله، وقلت يا رب هذا لك، لا أريد من هذا الإنسان جزاءً ولا شكورًا، أعطيته لأنك أحببت أن أعطي، ورحمته لأنك رحيم، وسترته لأنك ستير، وعفوت عنه لأنك تحب العفو، ثم مضيت وتركت بينك وبين الله سرًا لا يحتاج إلى شاهد.

وما أجمل أن يكون الإنسان بين الناس ببدنه، وقلبه في جهة أخرى… يخدم هذا، ويرحم ذاك، ويواسي ثالثًا، ويبذل من وقته وماله وجهده، لكنه لا يجعل قلبه يقف عند الخلق… فالمخلوق هو موضع الإحسان، لكنه ليس غاية القصد، تمر اليد على حاجة الإنسان ويمضي القلب إلى الله.

وربما كان هذا هو معنى التوجه إلى الله الذي نبحث عنه طويلًا ونحن لا ندري أن المسألة تبدأ من الوجهة، إلى أين يتوجه قلبك حين تختلي بنفسك؟ لمن يكون فرحك حين تنجح في خير؟ ومن يؤلمك أن يجهل عملك؟ ومن يهمك أن يراك؟

فالذي يطلب نظر الناس يبقى أسيرًا لأعينهم، يفرح بمدحهم ويحزن بإعراضهم، ويراقب وجوههم ليرى صورته فيها… أما الذي طلب وجه الله فقد وجد بابًا إلى الحرية؛ لأن من عرف أن الله يرى استغنى عن أن يراه الناس.

الله يعلم أنك أعطيت، ويعلم أنك سامحت، ويعلم أنك صبرت، ويعلم أنك سكت حين كان الكلام أسهل، ويعلم أنك تركت شيئًا تحبه لأنك علمت أنه لا يرضيه، وما دام يعلم فما حاجتك إلى أن يكتب الناس سيرتك؟

ثم خطر لي وأنا أستمع إلى الآية أن من أرقى ما في “لِوَجْهِ الله” أن يتحول الإنسان من عبد يطلب ما عند الله، إلى عبد يطلب الله نفسه… لا يريد عطاءه ولا ثوابه ولا فرجه ولا نجاته فقط، وإنما يريد أن يكون قلبه له ووجهته إليه وأن يكون الله هو المقصود من وراء كل مقصود.

أن تقول في أعماقك يا رب إن أعطيتني فلك الحمد، وإن منعتني فلك الحمد، وإن أخفيت عملي عن الناس فلك الحمد؛ فما أريده في النهاية ليس أن يعرفني الناس وإنما أن تعرفني أنت.

لِوَجْهِ الله…

صدقوني إنها كلمة لو استقرت في القلب لأراحتنا من أشياء كثيرة… أعطِ لوجه الله، وسامح لوجه الله، وأحب لوجه الله، واترك لوجه الله، واصمت لوجه الله، وتكلم لوجه الله، وافعل الخير ثم لا تلتفت وراءك.

دع الناس يقولون ما يقولون، دعهم يعرفون ودعهم يجهلون، دعهم يذكرونك ودعهم ينسونك، يكفي أن الله لم ينسك

وردد على الدوام بينك وبين نفسك “إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا”.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *