‏الإصلاح السنوسي وإطفاء الخصومات… وثيقة صلح من وادي نخلة عام ١٣١٦هـ

 الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏تكشف وثيقة صلح من وادي نخلة «المضيق»، مؤرخة في الرابع من ذي الحجة سنة ١٣١٦هـ، عن جانب عملي من آثار الإصلاح الديني للسيد محمد بن علي السنوسي وخلفائه في الحجاز؛ إذ تسجل معالجة حادثة قتل، وجمع أطرافها على التراضي، وتوثيق التسوية المالية والكفالات بشهادة جمع من المسلمين، قبل ١٣٢ عامًا هجريًا.

‏وتتصل هذه الواقعة بتاريخ الزوايا السنوسية في مكة والطائف، وما نشأ حولها من صلات علمية واجتماعية. فبحسب المادة التعريفية المصاحبة للوثيقة، كان الإمام السنوسي يتردد بين الحرمين الشريفين، ويزور الطائف التي اتخذها مقرًا لإقامته الصيفية، وأسس بها زاوية اتصل من خلالها بأهلها، وأخذ عنه العلم عدد من طلابها. وكان من تلامذته الشيخ حامد بن محمد غانم خيرة، الذي تدرج في تعلم القرآن والكتابة، ثم تولى مسؤوليات في خدمة الزاوية، حتى أصبح من خلفائه في الحجاز.

‏وبعد وفاة الإمام المؤسس، أبقى السيد محمد المهدي السنوسي الشيخ حامد مسؤولًا عن زاوية أبي قبيس إلى وفاته سنة ١٣٠٣هـ، ثم عيّن ابنه الشيخ محمد، المعروف بمحمد السنوسي، خلفًا له. وتصفه المادة التعريفية بأنه كان مؤلفًا بين الإخوان، مصلحًا، عفيفًا ورعًا، اتسع في عهده نطاق الأوقاف التابعة للزوايا بمكة وجدة والطائف. وتأتي وثيقة المضيق لتقدم شاهدًا محددًا على ممارسته الإصلاح بين الناس، وتوضح كيف امتد أثر المدرسة السنوسية عبر تلامذتها وخلفائها.

‏أما الواقعة التي تسجلها الوثيقة، فهي مقتل رجل من المطارفة على يد مسعود بن خيرالله، وهو رقيق تابع لمنصور بن ناصر بن بشير الحكم. وعلى أثر ذلك حضر منصور مع رجال من المطارفة، يتقدمهم بطي بن لافي بن عبيان وأخوه مسيفر، وجرت معالجة الخصومة على يدي الشيخ محمد بن حامد، الذي يصفه النص بأنه «سيدي ومرشدي في طريق الله». وتكشف هذه العبارة عن مكانته الدينية لدى صاحب الوثيقة، وتساعد على فهم الثقة التي أحاطت بوساطته وقبول الأطراف لما أجراه بينهم.

‏والتمييز بين الشخصيات هنا ضروري لفهم الوثيقة؛ فالمصلح الذي باشر هذه التسوية سنة ١٣١٦هـ هو الشيخ محمد بن حامد، المعروف بمحمد السنوسي، خليفة المدرسة السنوسية في الحجاز، بينما تتصل الواقعة بالإمام محمد بن علي السنوسي من جهة الأثر العلمي والتربوي الذي استمر في خلفائه.

‏وتسجل الوثيقة حصول «الرضى والتراضي» بين منصور والمطارفة، وقبولهم ما أجراه الشيخ، ثم تسليم منصور مائتي ريال إلى أيدي الكفلاء، وقد وصفها النص بأنها «مسلمة مأداة مقبوضة». وهذه الألفاظ تثبت تنفيذ الجانب المالي من التسوية، إلى جانب ذكر الكفالة لمنصور وجماعته وعبيده وماله وحاله، بما يدل على أن معالجة القضية تناولت ما يترتب عليها من علاقات والتزامات بين الأطراف.

‏وتظهر أهمية الكفلاء والشهود في تثبيت هذا الاتفاق؛ فالصلح ارتبط بأشخاص معلومين تولوا القبض والكفالة، وشهد عليه جمع من المسلمين. ومن خلال اجتماع الرضا والتسليم والكفالة والإشهاد، تقدم الوثيقة صورة لوسائل المجتمع المحلي في توثيق التسويات، وصيانة الالتزامات، والحد من تجدد الخصومات.

‏ومن أبلغ عبارات النص تعليل قبول الصلح بأنه «ابتغاء منهم لمرضاة الله ومرضاة شيخهم في طريق الله الشيخ محمد السنوسي». ففي هذه العبارة يتضح اتصال المرجعية الدينية بالفعل الاجتماعي؛ إذ أسهمت مكانة الشيخ وثقة الناس به في جمع المختلفين على تسوية مقبولة، جرى تثبيتها كتابة وإشهادًا. وهنا تبرز إحدى الدلالات العملية للإصلاح السنوسي: توظيف التعليم والتربية والصلة بالناس في معالجة نزاع يمس الدماء وأمن الجماعة.

‏وتنبع قيمة هذه الوثيقة من تفاصيلها المحددة: حادثة قتل، وأطراف مسمّون، ومصلح معروف، ومبلغ مقبوض، وكفلاء وشهود. وهي بذلك تثري تاريخ وادي نخلة، وتقدم مادة لدراسة دور الزوايا ورجالها في الحياة الاجتماعية بالحجاز، وتمنح الحديث عن الإصلاح شاهدًا يمكن الوقوف على عباراته وإجراءاته.

‏إن هذه الورقة تحفظ لحظة انتقلت فيها الخصومة إلى التراضي، واقترنت فيها المكانة الدينية بمسؤولية الإصلاح بين الناس. وهذا هو الأثر الذي أبقته الوثيقة: نزاع عولج، وحقوق سُوّيت، وصلح ثُبّت، وشهادة على حضور الإصلاح السنوسي في مجتمع وادي نخلة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *