﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾… الحفظ الإلهي ومقام الابتلاء

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

حين نتأمل قوله تعالى لسيدنا موسى عليه السلام: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وقوله لسيدنا محمد صلوات الله عليه وآله: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: ٤٨]، نجد في المقامين حفظًا ورعايةً إلهية، مع اختلاف السياق الذي ورد فيه الخطاب. ففي قصة موسى تذكيرٌ بحفظه منذ طفولته، في اليمّ وفي بيت فرعون، ورعايته وإعداده لأمانة الرسالة. وفي خطاب سيدنا محمد طمأنةٌ وتثبيتٌ وحفظٌ وهو يؤدي أمانة البلاغ ويواجه التكذيب والأذى. وهذا تأملٌ في سياق الآيتين، دون الجزم بأنه وحده يفسّر اختلاف الإفراد والجمع في التعبير.

ولم تكن رعاية الله لموسى عليه السلام مانعةً من تعرّضه للمتاعب والأذى في سبيل البلاغ؛ فقد قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الصف: ٥]. فالقرآن الذي أخبر عن رعايته وحفظه، أخبر كذلك عن إيذاء قومه له وهم يعلمون أنه رسول الله إليهم.

ويزداد المعنى وضوحًا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ [الأحزاب: ٦٩]. فلم تمنع وجاهته عند الله وقوع الأذى، وظهرت العناية الإلهية في تبرئته منه. وهذا شاهد قرآني يقوّي فهمنا لاجتماع الحفظ والابتلاء؛ فقد يقع الأذى، ويبقى الرسول في رعاية ربه وتأييده.

ومن هنا ينشأ السؤال عن الروايات التي تذكر تعرّض سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله للسحر، وأكله من الشاة المسمومة: كيف نجمع بينها وبين الوعد الإلهي بالحفظ والعصمة؟

يتضح وجه الجمع عند جمهور علماء أهل السنة من سياق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، ثم قوله سبحانه: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧]. فقد اقترن وعد العصمة بأمانة البلاغ؛ ففهم العلماء منه أن الله يحفظ رسوله من أن يتمكن أعداؤه من إفساد رسالته، أو إهلاكه قبل إتمامها. أما الألم والمرض وعوارض الأذى، فلا يلزم من هذا الوعد امتناعها جميعًا.

وأما رواية السحر، فقد أخرجها البخاري ومسلم، وحملها القاضي عياض وغيره من العلماء المصححين لها على عارضٍ في بعض شؤونه البشرية الخاصة، مستندين إلى رواية تخصّ ذلك بعلاقته بأهله، مع صيانة الوحي والاعتقاد والتبليغ من هذا الأثر. فوجه التوفيق عندهم قائم على التمييز بين عارضٍ بشري محدود وبين المساس بمقام الرسالة وصدقها. وقد اعترض بعض العلماء على الرواية من جهة فهمهم للعصمة؛ ولذلك يُنسب هذا التوفيق إلى العلماء الذين أثبتوها، مع الإقرار بوجود النقاش حولها.

وفي حادثة الشاة المسمومة، تذكر الروايات أنه أكل منها، وأنه ظل يجد أثر ألمها، كما ورد في البخاري في خبر مرض وفاته. فلا يصح تفسير الحفظ بأنه لم يتأثر بالسم أصلًا؛ وإنما وجه الجمع أنه نجا يوم خيبر، واستمر في أداء رسالته حتى أتم البلاغ. ومن العلماء من فهم أن أثر السم أسهم في وفاته بعد تمام الرسالة، وأن الله جمع له بذلك النبوة والشهادة.

والاستشهاد بما أصاب موسى عليه السلام يثبت أصلًا قرآنيًا مهمًا: أن الرعاية الإلهية لا تستلزم انتفاء الأذى. أما ثبوت كل رواية وتحديد دلالتها، فيبقيان مسألةً تُبحث بأدلتها، ولا يغني عنهما هذا الأصل العام.

وفي اقتران الأمر بالصبر بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ معنى يستحق التأمل؛ فالطمأنة تأتي في مقام ما يستدعي الصبر، فتمنح الرسول الثبات في مواجهته. وهكذا اجتمع لموسى عليه السلام الحفظ مع أذى قومه، واجتمع لسيدنا محمد صلوات الله عليه وآله الحفظ مع مشاق الدعوة؛ فلم يستطع الأذى أن يُبطل رسالته أو يحول دون تمام بلاغه، وبقي نور الوحي هدايةً للناس.

لمشاهدة الحلقة اضغط على الرابط التالي 

https://drive.google.com/file/d/19FlskRFxl52paYI2VlMJbzxcB6jVVRCk/view?usp=drivesdk

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *