كتب دكتور/ شريف الجندي
حكاية حب بدأت من مكتب محاماة، وانتهت بزواج اضطر إليه الحساب السياسي.. وبينهما مؤامرات وشائعات وطقم «أبيسون» كاد أن ينهي الزواج بعد أيام قليلة
لم يكن زواج مصطفى النحاس باشا، رئيس حزب الوفد ورئيس الوزراء المصري، مجرد واقعة عائلية عابرة في حياته، وإنما كان فصلًا حافلًا بالمفارقات، امتزجت فيه قصة الحب بالصراع السياسي، وتداخلت فيه رغبات القلب مع حسابات الحزب وسمعته ومكانة زعيمه.
فالرجل الذي ظل أعزب سنوات طويلة من حياته، وعرف الحب ولوعة الفراق، وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع قيادات حزبه بسبب المرأة التي اختارها قلبه، قبل أن ينتهي به الأمر زوجًا للسيدة زينب هانم الوكيل في زواج كاد بدوره أن ينتهي سريعًا بسبب خلاف طريف يتعلق بطقم من «أبيسون».
لكن البداية لم تكن مع زينب الوكيل، وإنما مع امرأة أخرى حملت اسم مديحة، وهي السيدة التي تقول الرواية إنها شغلت قلب مصطفى النحاس سنوات، قبل أن تتدخل قيادات الوفد لإبعاده عنها.
البداية.. مديحة تدخل مكتب المحامي
تعود بداية الحكاية إلى عام 1927، عندما دخلت سيدة أرستقراطية أنيقة تُدعى «مديحة» إلى مكتب المحامي مصطفى النحاس، وكانت تنتمي إلى أسرة معروفة في الإسكندرية، وجاءت طالبة توكيله في إحدى القضايا.
لكن النحاس لم يكن موجودًا في مكتبه في ذلك اليوم، فاستقبلها اثنان من المحامين الشباب العاملين معه، واستمعا إلى تفاصيل قضيتها، واتفقا معها على الأتعاب، وحددا موعدًا آخر لتلتقي بالمحامي مصطفى النحاس بنفسه.
في ذلك الوقت كان اسم النحاس قد أصبح معروفًا في الحياة العامة المصرية، وكان يشغل منصب وكيل أول مجلس النواب، إلى جانب شهرته الواسعة كمحامٍ.
وعندما عادت مديحة في الموعد المحدد، كان اللقاء مختلفًا تمامًا عن اللقاء الأول.
كانت سيدة متعلمة وراقية وجميلة، في الخامسة والعشرين من عمرها، ومطلقة. أما النحاس فكان يكبرها بسنوات عديدة، لكنه كان معروفًا باهتمامه بصحته ولياقته، وكان يمارس رياضة التنس بصورة منتظمة.
لم يكن فارق السن، بحسب الرواية، عائقًا أمام نشوء علاقة عاطفية بينهما، خاصة أن الحياة السياسية المصرية في ذلك الوقت كانت تعرف نموذجًا شهيرًا لزواج بفارق عمر كبير، وهو زواج سعد زغلول باشا من صفية زغلول، الذي كان الوفديون أنفسهم يرونه نموذجًا ناجحًا.
من قضية قانونية إلى قصة حب
لم تعد القضية التي جاءت مديحة من أجلها هي الأمر الأهم.
نشأت بين الطرفين قصة حب استمرت فترة طويلة، وأصبح النحاس يسافر إلى الإسكندرية للقائها، كما كانت هي تأتي إلى القاهرة لرؤيته.
ومع مرور الوقت، تحول الأمر من لقاءات مرتبطة بالمحاماة إلى علاقة عاطفية حقيقية، وبات التفكير في الزواج حاضرًا بقوة.
حتى بعد أن أغلق النحاس مكتبه عقب توليه رئاسة حزب الوفد، واستغرقت الحياة السياسية معظم وقته، لم تنته قصة الحب.
لكن رئاسة حزب الوفد جعلت حياة الرجل أكثر صعوبة؛ فالزعيم السياسي لم يعد يستطيع التحرك كما كان من قبل، وأصبحت رحلاته إلى الإسكندرية أكثر لفتًا للانتباه.
ولهذا اقترح على مديحة أن تنتقل للإقامة في القاهرة، فتركت الإسكندرية واستأجرت عوامة في النيل، وأصبحت تلك العوامة المكان الذي يلتقي فيه الاثنان بعيدًا عن أعين الناس، وفقًا للرواية.
وكان النحاس يخطط لإعلان زواجه منها في أقرب فرصة.
حتى هذه اللحظة كانت الحكاية تسير في اتجاه يبدو طبيعيًا، لكن السياسة تدخلت فجأة لتغير كل شيء.
عندما تحولت قصة الحب إلى ورقة في الصراع السياسي
في تلك الفترة كانت الصحافة المرتبطة بالوفد تخوض حملة ضد شخصية سياسية كبيرة، ولم تتوقف الحملة عند مواقفه السياسية، وإنما امتدت إلى حياته الشخصية قبل سنوات طويلة.
وتناولت الصحافة تفاصيل علاقة قديمة لذلك الرجل بسيدة متزوجة، وهي العلاقة التي قيل إنها انتهت باستقالته ثم بانتحار السيدة.
وفي خضم ذلك الصراع، بحث أنصار الرجل عن وسيلة للرد على الوفديين، فوجدوا في علاقة مصطفى النحاس بمديحة فرصة مناسبة للرد السياسي.
بدأت مراقبة تحركات رئيس الوفد، وتمكن من قاموا بالمراقبة من معرفة مواعيد ذهابه إلى العوامة.
ثم وُضعت خطة تقوم على إبلاغ شرطة الآداب بأن العوامة تُستخدم في أعمال غير أخلاقية، مع تجهيز صحفي ومصور ليكونا في المكان وقت مداهمة الشرطة، والهدف هو التقاط صورة لرئيس حزب الوفد داخل العوامة ونشرها.
وكان أصحاب الخطة يراهنون على أن مجرد نشر صورة النحاس داخل العوامة سيكون كافيًا لإلحاق الضرر بسمعته، حتى لو انتهت المداهمة دون العثور على أي مخالفة.
لكن الخطة لم تكتمل.
فقد وصلت تفاصيل المؤامرة إلى بعض قيادات الوفد قبل تنفيذها بساعات، وقرروا التحرك سريعًا.
«لا تنزل».. والزعيم يرفض التخلي عن حبيبته
توجهت قيادة وفدية بارزة إلى منزل مصطفى النحاس، الذي كان يستعد للخروج في موعده المعتاد.
وأُبلغ بكل تفاصيل الخطة، وطُلب منه عدم الذهاب إلى العوامة.
لكن المفاجأة أن النحاس لم يتراجع.
أصر على الوفاء بموعده، وأعلن بوضوح أنه لا يرى في علاقته بمديحة ما يخجل منه، مؤكدًا أنها سيدة شريفة ومن أسرة طيبة، وأنه يعتز بحبه لها ويريد الزواج منها.
حاولت القيادة الوفدية إقناعه بأن الأمر يتعلق بسمعته السياسية، فرد بأنهما لا يفعلان شيئًا يغضب الله.
لكن عندما قيل له إن المسألة لم تعد تتعلق بسمعته الشخصية فقط، وإنما بسمعة حزب الوفد، اشتد غضبه، وأعلن استعداده للاستقالة من الحزب وترك الحياة السياسية إذا كان ذلك هو الثمن الذي سيدفعه حتى يعيش بقية حياته إلى جوار المرأة التي اختارها قلبه.
وحاول الخروج بالفعل، إلا أن القيادة الوفدية، بحسب الرواية، منعته من مغادرة المنزل بالقوة.
النحاس يتمسك بالزواج.. والوفد يبحث عن مخرج
بعد إفشال المؤامرة، التقى النحاس مديحة، وشرح لها ما حدث، وأكد لها مجددًا رغبته في الزواج منها.
وأبلغت مديحة أسرتها في الإسكندرية، وبدا أن الزواج أصبح قريبًا.
لكن قيادات الوفد لم تكن قد تخلت عن فكرة منع هذا الزواج.
كان اعتراضهم، وفقًا للرواية، أن زواج رئيس الحزب من سيدة مطلقة لا يتناسب مع الصورة التي أرادوا الحفاظ عليها لزعيم الوفد، وأن الأمر قد يؤثر على مكانة الحزب وسمعته.
وهنا دخلت صفية زغلول، التي كان الوفديون يطلقون عليها لقب «أم المصريين»، على خط الأزمة.
حاولت صفية زغلول إقناع النحاس بالعدول عن الزواج، لكنه تمسك بموقفه.
ولم تنتهِ محاولات إقناعه عند هذا الحد.
الخطة الأخيرة.. رجل يظهر فجأة في بيت الأمة
اجتمعت قيادات الوفد مرة أخرى لبحث كيفية منع الزواج، وخرجت بفكرة جديدة تقوم على التشكيك في سلوك مديحة.
وتقول الرواية إنهم استعانوا بشاب ليؤدي دور عاشق سابق لها، وانطلقت الشائعات حول العروس المنتظرة.
ثم أُحضر الشاب إلى «بيت الأمة»، وهناك أقسم أمام مصطفى النحاس أنه كانت تربطه علاقة بمديحة.
وكانت تلك اللحظة، بحسب الرواية، نقطة النهاية لقصة الحب.
تراجع النحاس عن الزواج، وانتهت علاقته بمديحة.
ومنذ ذلك الوقت تختفي أخبارها تقريبًا من الرواية المتداولة؛ فلا تتوافر تفاصيل واضحة عن مصيرها، ولا أين عاشت بعد ذلك، ولا كيف أكملت حياتها.
وهنا تبقى مديحة واحدة من الشخصيات التي ظهرت بقوة في قصة حياة رجل من أبرز رجال السياسة المصرية، ثم غابت عن المشهد بصورة تكاد تكون كاملة.
بعد مديحة.. البحث عن عروس لرئيس الوفد
بعد انتهاء قصة الحب، اتجهت قيادات الوفد إلى البحث عن زوجة مناسبة لمصطفى النحاس.
طُرحت عدة أسماء، ثم وقع الاختيار على زينب هانم الوكيل بعد مشورة صفية زغلول.
كانت زينب، بحسب الرواية، تتمتع بالصفات التي رآها المحيطون بالنحاس مناسبة لزوجة رئيس الحزب؛ فهي مناسبة من حيث السن، جميلة ومتعلمة.
لكن ظهر عائق يتعلق بأسرتها.
فوالدها عبدالواحد الوكيل كان قد ابتعد عن حزب الوفد وانضم إلى حزب الشعب، وهو ما أثار تحفظًا في البداية.
غير أن النحاس اقتنع في النهاية بأن الاختلاف السياسي لوالد العروس لا ينبغي أن يكون سببًا كافيًا لرفض الزواج.
48 ساعة فقط قبل سن المعاش
وهنا ظهرت مفارقة أخرى في قصة زواج النحاس.
كان القانون المصري في ذلك الوقت، وفق الرواية، يرتب على بلوغ الرجل سنًا معينة دون زواج حرمان الزوجة من معاشه.
وكان النحاس على بعد 48 ساعة فقط من بلوغ تلك السن.
لذلك جرى التعجيل بعقد القران، فتم الزواج يوم الثلاثاء 12 يونيو 1934، رغم أن المعتاد في ذلك الوقت كان عقد القران يوم الخميس.
وهكذا تحول الزواج إلى سباق مع الزمن، وتم عقد القران قبل بلوغ النحاس السن التي كان من شأنها أن تحرم زوجته من معاشه.
مهر كبير.. وطقم «أبيسون» يشعل أزمة جديدة
دفع النحاس باشا مهرًا بلغ 600 جنيه، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك العصر، كما اتفق مع والد العروس على أن يتضمن جهاز ابنته طقمًا ونصف من «أبيسون».
وبدا أن قصة الحب القديمة أصبحت من الماضي، وأن النحاس بدأ حياة زوجية جديدة مع زينب الوكيل.
لكن بعد الزواج بنحو 15 يومًا فقط، ظهرت أزمة لم تكن متوقعة.
ذهب النحاس إلى صفية زغلول وأبلغها أنه يريد تطليق زوجته.
والسبب؟
طقم «أبيسون».
فقد رأى النحاس أن والد زوجته لم ينفذ الاتفاق، وأنه لم يحضر سوى نصف طقم أبيسون، وهو ما اعتبره إخلالًا بما تم الاتفاق عليه.
«أم المصريين» تتدخل لإنقاذ الزواج
لم تكن صفية زغلول مستعدة لأن ترى زواج رئيس الوفد ينتهي بعد أسبوعين فقط بسبب خلاف على جهاز العروس.
بدأت محاولة احتواء الأزمة، واستدعت قيادات الحزب، وعُقد اجتماع طارئ لبحث الأمر.
وبعد نقاش طويل، جرى إقناع النحاس بأن عبدالواحد الوكيل لم يكن يقصد إهانته أو خداعه، وإنما حالت ظروفه المادية الصعبة دون استكمال الطقم المتفق عليه.
وفي نهاية الأمر، تم التوصل إلى حل طريف بقدر ما كانت بداية الزواج طريفة؛ إذ وافق الحزب على دفع ثمن الجزء الناقص من طقم «أبيسون».
وهكذا انتهت الأزمة، ولم يقع الطلاق.
واستمر زواج مصطفى النحاس باشا من زينب هانم الوكيل.
حكاية تختصر تناقضات السياسة والحب
تظل قصة زواج مصطفى النحاس من أكثر الحكايات التي تكشف الجانب الإنساني خلف الشخصية السياسية التي عرفها المصريون زعيمًا ورئيسًا للوزراء ورئيسًا لحزب الوفد.
فوراء الرجل السياسي كانت هناك قصة حب مع مديحة، بدأت بلقاء داخل مكتب محاماة، وتحولت إلى علاقة استمرت سنوات، ثم اصطدمت بحسابات الحزب والصراعات السياسية والشائعات.
وبعد أن انتهت تلك القصة، جاء الزواج من زينب الوكيل، الذي لم يخلُ بدوره من المفارقات، حتى كاد أن ينتهي بعد أيام قليلة بسبب خلاف على قطعة من جهاز العروس.
ويبقى السؤال الذي تتركه الحكاية مفتوحًا: من كانت مديحة؟ وكيف عاشت بقية حياتها بعد أن انتهت علاقتها بمصطفى النحاس؟
ذلك الجزء تحديدًا يبدو من أكثر حلقات القصة غموضًا، إذ لا تقدم الرواية المتداولة معلومات كافية عن مصيرها، لتظل المرأة التي أحبها أحد أبرز زعماء مصر في القرن العشرين حاضرة في الحكاية، وغائبة عن صفحات التاريخ.