من الشتات إلى دولة المؤسسات الحِلف ووحدة المصير وسؤال التأثر بالتراث العربي الإسلامي

الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

من الظواهر الجديرة بالقراءة في التاريخ الحديث قدرة المشروع الصهيوني على جمع جماعات يهودية متباعدة البلدان واللغات والتجارب، وتحويل قسم من هذا الشتات إلى مجتمع سياسي يمتلك مؤسسات دولة. والسؤال الذي يعنينا هنا: كيف استطاع أشخاص لا تجمعهم قرابة مباشرة أن يتعاهدوا، ويثق بعضهم ببعض، ويتقاسموا المخاطر والمسؤوليات، ثم يورّثوا هذا الالتزام لأجيال لم تشارك في تأسيسه؟

إن بناء روابط تتجاوز القرابة من أعظم المنجزات الاجتماعية في تاريخ البشر. فقد يصبح الغريب، بما بينك وبينه من عهد وتجربة ومسؤولية، أوثق تضامنًا معك من قريب النسب. وحين تتسع هذه الرابطة وتنتظم، يصبح قيام المدن والجيوش وشبكات التجارة والدول ممكنًا؛ إذ لا يستطيع النسب وحده جمع كل هؤلاء، ولا تكفي المعرفة الشخصية لاستمرار تعاونهم.

لم تبدأ الحركة الصهيونية من فراغ؛ فقد استندت إلى موروث ديني وتاريخي، وروابط جماعية وشبكات تضامن، ثم أعادت تنظيمها حول غاية سياسية. ولم يوافق جميع اليهود على ذلك المشروع، كما لم يتفق أنصاره في الأفكار والمناهج. ومع ذلك، أتاح مؤتمر بازل سنة ١٨٩٧ إنشاء تنظيم وبرنامج مشتركين، وتبعته مؤسسات للتمويل والعمل السياسي والاستيطان. وهنا انتقل الانتماء من الشعور إلى التنظيم، ومن التبرع الفردي إلى الموارد المؤسسية. (main.knesset.gov.il, wzo.org.il)

واللافت أن بناء الدولة لم يحتج إلى إنهاء الاختلاف بين التيارات؛ بل إلى إيجاد سلطة وقواعد تضبطه. فالخلافات والصدامات كانت حاضرة، لكن توحيد القرار العسكري وبناء المؤسسات السياسية شكّلا جزءًا حاسمًا من الانتقال إلى الدولة. ومن ثم أمكن أن يتنافس الخصوم انتخابيًا، ثم يتحالفوا لتشكيل حكومة. (govinfo.gov)

ولا يعني تحليل هذه القدرة التنظيمية إغفال الاستعمار والتهجير وحقوق الفلسطينيين، كما لا يعني ردّ قيام الدولة إلى التنظيم وحده؛ فالدعم الخارجي والتحولات الدولية والقوة المسلحة كانت عوامل أساسية. إنما نختار هنا دراسة جانب محدد: كيف تُنشأ رابطة سياسية تجعل المختلفين قادرين على العمل المشترك والاستمرار؟

ومن هذا السؤال نعود إلى تاريخنا العربي والإسلامي، حيث نجد الحِلف والتعاهد والمؤاخاة وأعراف الفتوّة، وهي صيغ مختلفة لبناء النصرة والتكافل والالتزام خارج القرابة المباشرة. ولا تختزل هذه الروابط في المصالح الآنية؛ فقد يصبح الوفاء بالعهد نفسه قيمةً ملزمة، وتغدو حماية الشريك مسؤولية أخلاقية واجتماعية.

وتبرز صحيفة المدينة مثالًا على تنظيم الالتزامات بين جماعات متعددة، بما فيها جماعات يهودية، في الدفاع والإنفاق والعلاقة المشتركة، مع بقاء الاختلاف الديني. وهي تجربة تاريخية لها سياقها، لكنها تفتح أمامنا بابًا واسعًا للتفكير في بناء الجماعة بالعهد، وفي الجمع بين تعدد الانتماءات والمسؤولية المشتركة. (cambridge.org)

وهنا نطرح سؤالنا: هل استفاد منظّرو المشروع الصهيوني من هذا التراث في تصوّر الحِلف والمصلحة المشتركة ووحدة المصير؟

السؤال مشروع، لكن الإجابة لا تُستخرج من التشابه وحده. فالعهد حاضر أيضًا في الموروث اليهودي السابق للإسلام، كما أن التنظيم الصهيوني الحديث استخدم المؤتمرات والتمثيل والقواعد البرلمانية. لذلك يحتاج إثبات التأثر إلى تتبع كتابات المنظّرين ومراسلاتهم وقراءاتهم، والكشف عن صلة واضحة بين معرفتهم بالنموذج العربي الإسلامي وبين تطبيقات تنظيمية محددة. (thetorah.com, jewishencyclopedia.com)

ولدينا شواهد موثقة على استفادة جماعات يهودية من مؤسسات إسلامية، منها الوقف في المجتمعات الإسلامية. غير أن إثبات هذا التأثر لا يكفي وحده للقول إن مؤسسات الصهيونية الحديثة مقتبسة من الحِلف أو المؤاخاة؛ إذ يلزم إثبات طريق الانتقال بين التجربتين. (cambridge.org)

إن قيمة هذه القراءة أنها تفتح سؤالًا عن القدرة على تحويل التضامن إلى مؤسسة، والذاكرة إلى مشروع، والاختلاف إلى تعاون. وفي تاريخنا رصيد يستحق أن ندرسه بهذا المنظور: كيف يجعل العهدُ الغرباءَ شركاء في المصير؟ وكيف يستمر الوفاء حين يغيب المؤسسون، وتتبدل المصالح، وتتعاقب الأجيال؟

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *