غواص مصري في أعماق بئر زمزم عام 1979.. ماذا كشف قاع البئر عن أسرار المياه المقدسة؟

 كتب دكتور/ شريف الجندي 

رحلة استكشافية في أعماق بئر زمزم تكشف تفاصيل جيولوجية لافتة.. من الرواسب والأدوات التي استقرت في القاع إلى الشقوق الصخرية التي تغذي البئر بالمياه

في واحدة من المحطات اللافتة في تاريخ العناية ببئر زمزم، شارك غواصون متخصصون في مهمة لتنظيف البئر عام 1979، خلال عهد الملك خالد بن عبدالعزيز آل سعود، في محاولة لتحسين كفاءة تدفق المياه والاستعانة بالوسائل الفنية المتاحة آنذاك. وكانت المهمة أكثر من مجرد عملية تنظيف؛ إذ أتاحت فرصة للتعرف عن قرب على طبيعة البئر وما يحتويه قاعه، وكيفية وصول المياه الجوفية إليه.

وتستعيد هذه الواقعة اهتمامًا متجددًا بقصة بئر زمزم، الذي يحتل مكانة عظيمة في وجدان المسلمين، ويرتبط تاريخه بالرواية الإسلامية عن السيدة هاجر وابنها إسماعيل عليه السلام، كما يمثل موضوعًا مهمًا للدراسات الجيولوجية التي تبحث في مصادر تغذيته وسبل الحفاظ على استدامة مياهه.

غواصون في مهمة استثنائية داخل بئر زمزم

بحسب الروايات المنشورة عن عملية التنظيف، جاء التحرك عام 1979 ضمن جهود تطوير خدمات البئر والعناية به، واستخدام أساليب أكثر تقدمًا في استخراج المياه وصيانة المنشآت المرتبطة بها.

وتشير الرواية المتداولة، المنقولة عن موقع «مكاوي» وكتاب «الأوائل لمكة المكرمة»، إلى مشاركة غواص مصري يُدعى محمد يونس، إلى جانب غواص باكستاني يُدعى محمد لطيف، في أعمال استكشاف قاع البئر وتنظيفه.

وقد تطلبت المهمة التعامل مع بيئة ضيقة ومغمورة بالمياه، وهو ما جعلها مختلفة عن عمليات الصيانة المعتادة. ولم يكن الهدف مقتصرًا على إزالة الرواسب والمخلفات، بل شمل التعرف على العوائق الموجودة داخل البئر وتحسين ظروف تدفق المياه.

ماذا عثر عليه الغواصون في قاع البئر؟

وفقًا للروايات المتداولة عن المهمة، عثر الغواصون على مجموعة من الأشياء التي تراكمت في قاع البئر على فترات زمنية مختلفة، من بينها قطع فخارية وعملات معدنية ومواسير حديدية وحبال، إلى جانب حبات مسابح وخواتم وأحجار وأدوات أخرى.

وتضمنت القائمة المتداولة كذلك بعض الأغراض الحديثة نسبيًا، مثل علب المشروبات وأدوات الشاي وغيرها من المخلفات.

ويُرجح أن بعض هذه الأشياء وصل إلى البئر نتيجة سقوطها أو إلقائها فيه عبر سنوات طويلة، إلا أن تحديد تاريخ كل قطعة أو معرفة ظروف وصولها إلى القاع يحتاج إلى فحص أثري موثق، ولا يصح اعتبار جميع الموجودات آثارًا تعود إلى آلاف السنين دون دليل.

كما أن وجود هذه المخلفات يوضح أهمية أعمال التنظيف والصيانة الدورية، ليس فقط للحفاظ على كفاءة البئر، بل أيضًا لحماية أحد أهم مصادر المياه ذات المكانة الدينية لدى المسلمين.

لغز البوصلة.. وما التفسير المحتمل؟

ومن التفاصيل التي وردت في بعض الروايات عن الرحلة، تعطل البوصلة التي استخدمها الغواصان لتحديد الاتجاهات داخل البئر، مع الإشارة إلى وجود مواسير وقطع حديدية في القاع.

ومن الناحية العلمية، يمكن للأجسام الحديدية والمجالات المغناطيسية المحلية أن تؤثر في قراءة البوصلة، بحسب طبيعة المواد وموقعها وقربها من الجهاز. لكن تأكيد أن هذا هو السبب الفعلي لما حدث خلال المهمة يحتاج إلى تقرير فني أو توثيق مباشر من المشاركين.

وتبقى هذه الجزئية من التفاصيل اللافتة في القصة المتداولة، لكنها لا تمثل في حد ذاتها دليلًا على وجود ظاهرة خارقة أو لغز غير قابل للتفسير العلمي.

كيف تتغذى بئر زمزم بالمياه وسط بيئة مكة؟

هنا تبدأ أهمية الجانب الجيولوجي في القصة.

فبئر زمزم لا تعتمد على وجود نهر ظاهر أو مصدر مائي سطحي دائم، وإنما ترتبط بمنظومة المياه الجوفية في منطقة مكة المكرمة، حيث تسهم الخصائص الجيولوجية للصخور والرواسب ومسارات تسرب مياه الأمطار في تغذية المخزون المائي.

وتوضح المعلومات المنشورة في «سعوديبيديا»، استنادًا إلى الجهات السعودية المختصة، أن عمق بئر زمزم يبلغ نحو 30 مترًا، يتكون منها قرابة 12.8 مترًا من الجزء المبني، فيما يمتد الجزء الآخر داخل صخور الجبل لمسافة تقارب 17.2 مترًا. ويتراوح قطر البئر بين نحو 1.5 و2.5 متر بحسب العمق.

وتشير المعلومات الجيولوجية المنشورة عن البئر إلى أن المياه تصل إليه عبر شقوق وفتحات في الصخور، وتتجمع في داخله من مسارات تغذية متعددة. وهذا يفسر جانبًا مهمًا من آلية تجدد المياه، بعيدًا عن التصورات التي تفترض أن البئر مجرد خزان مغلق تحت الأرض.

ومن المهم هنا التمييز بين التفسير العلمي لآلية التغذية وبين الادعاءات التي تتحدث عن اكتشاف «لغز عمره خمسة آلاف عام»؛ إذ لا يكفي وجود شقوق صخرية أو مصادر جوفية لإثبات هذا العمر الجيولوجي المحدد، كما لا تتوافر في المصادر المشار إليها أدلة كافية للجزم بأن مهمة الغواصين وحدها حسمت جميع الأسئلة المتعلقة بالبئر.

كم يبلغ معدل تدفق مياه زمزم؟

من المعلومات اللافتة التي تنشرها «سعوديبيديا» عن البئر أن معدل ضخ مياه زمزم يتراوح بين نحو 11 و18.5 لترًا في الثانية، وفقًا للبيانات المنشورة عن إنتاجيته.

وتكشف هذه الأرقام عن حجم الإمداد المائي الذي يجري التعامل معه لخدمة المسجد الحرام وقاصديه، لكنها تمثل معدلات ضخ موثقة في السياق التشغيلي للبئر، ولا ينبغي تفسيرها باعتبارها معدلًا ثابتًا في كل الظروف والأوقات.

كما أن استمرار الاستفادة من المياه يتطلب إدارة دقيقة للمخزون الجوفي ومراقبة مستويات المياه وجودتها، مع مراعاة معدلات التغذية الطبيعية والطلب المتزايد، خاصة خلال موسمي الحج والعمرة.

كيف تُراقب جودة مياه زمزم في العصر الحديث؟

لم تعد العناية بالبئر مقتصرة على تنظيفه وصيانة أجزائه، بل تطورت لتشمل برامج متخصصة لمراقبة المياه واختبار جودتها وإدارة عمليات استخراجها ونقلها وتخزينها.

وتشير «سعوديبيديا» إلى إنشاء مركز دراسات وأبحاث زمزم التابع لهيئة المساحة الجيولوجية السعودية عام 2000، بهدف دراسة مصادر تغذية البئر، ومراقبة خصائص المياه، والمساهمة في الحفاظ على استدامتها.

وتشمل هذه الجهود متابعة الخصائص الفيزيائية والكيميائية والميكروبيولوجية للمياه، ودراسة تأثير الأنشطة العمرانية على مصادر التغذية، إلى جانب الإشراف على عمليات المعالجة والتخزين والتوزيع وفق الإجراءات المعتمدة.

وتوضح البيانات المنشورة كذلك أن مياه زمزم تتميز بتركيبتها المعدنية، ومن بينها الكالسيوم والمغنيسيوم، مع خضوعها لإجراءات رقابية تهدف إلى المحافظة على جودتها وسلامتها.

وهنا يجب التنبيه إلى أن القول إن تركيبتها المعدنية «لا مثيل لها في أي مكان في العالم» يحتاج إلى مقارنة علمية شاملة، كما أن وجود المعادن لا يعني تلقائيًا أن المياه تحقق فوائد علاجية محددة تتجاوز ما تثبته الدراسات المعتمدة.

بئر زمزم.. تاريخ عريق وعناية مستمرة

يحظى بئر زمزم بمكانة دينية وتاريخية استثنائية، وقد تعاقبت مراحل تطويره وصيانته عبر العصور، وصولًا إلى استخدام المضخات الحديثة وأنظمة المراقبة والمعالجة والتوزيع.

وتوثق المصادر السعودية الرسمية صدور توجيه من الملك خالد بن عبدالعزيز عام 1979 لتنظيف البئر باستخدام الوسائل المتاحة في ذلك الوقت، كما توثق مراحل لاحقة لتطوير منظومة إمداد المياه وخدماتها، وصولًا إلى إنشاء مشروع الملك عبدالله لسقيا زمزم.

ويعكس هذا التطور التقاء أهمية البئر الدينية بالجهود الهندسية والعلمية الرامية إلى الحفاظ عليه، وضمان وصول مياهه إلى الحجاج والمعتمرين والزوار في ظروف صحية مناسبة.

الخلاصة: ماذا تعلمنا رحلة الغواصين إلى أعماق زمزم؟

تكشف قصة الغواصين الذين شاركوا في تنظيف بئر زمزم عام 1979 عن جانب غير مألوف من تاريخ العناية بهذا المعلم الإسلامي العظيم، وتفتح الباب للتعرف على طبيعة البئر ومكوناته الداخلية والتحديات التي واجهت عمليات صيانته.

لكن الأهمية الحقيقية للقصة لا تحتاج إلى مبالغات أو وصفها بأنها حسمت لغزًا جيولوجيًا عمره خمسة آلاف عام؛ فالمعلومات الموثقة عن عمق البئر، وشقوقه الصخرية، ومعدلات ضخ المياه، وجهود مراقبة جودتها، تقدم بالفعل مادة علمية وتاريخية ثرية تستحق الاهتمام.

وبينما تمنح الدراسات الحديثة تفسيرًا علميًا لآليات تغذية البئر وإدارته، تظل مكانة زمزم الدينية راسخة في قلوب المسلمين، بوصفه من أبرز معالم المسجد الحرام، ورمزًا حاضرًا في الذاكرة الإسلامية عبر القرون.

قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].

المصادر والمراجع:

– «سعوديبيديا»: مادة بئر زمزم، ومراحل تطويره في العهد السعودي، ومركز دراسات وأبحاث زمزم.

– هيئة المساحة الجيولوجية السعودية، فيما يتعلق بالدراسات الجيولوجية ومراقبة مصادر تغذية البئر.

– موقع «مكاوي» وكتاب «الأوائل لمكة المكرمة»، بوصفهما من المصادر المشار إليها في الرواية المتداولة عن مهمة الغواصين عام 1979.

زاجل الإخباري.. نرصد الحكايات التي تستحق أن تُروى، ونقدمها للقارئ بأسلوب صحفي يجمع بين المعلومة الموثقة والقراءة الواعية للتاريخ.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *