نصف مليون مصري في الحرب العالمية الأولى.. حكاية الفلاحين والعمال الذين حملوا أعباء الحرب بعيدًا عن وطنهم

 كتب دكتور/ شريف الجندي 

من القرى المصرية إلى جبهات أوروبا والشرق الأوسط.. قصة تاريخية تكشف دور المصريين في المجهود الحربي البريطاني، ومعاناة أجيال من العمال والفلاحين في واحدة من أكثر الحروب تأثيرًا في تاريخ العالم

لم تكن الحرب العالمية الأولى مجرد مواجهة عسكرية دارت رحاها بين القوى الأوروبية، بل كانت حربًا عالمية امتدت آثارها إلى مناطق بعيدة عن ميادين القتال الرئيسية، ودفعت شعوبًا كثيرة أثمانًا باهظة، حتى تلك التي لم تكن تملك قرار المشاركة في الحرب أو تحديد مسارها.

وكانت مصر من بين البلدان التي تحملت أعباء ثقيلة خلال تلك الفترة؛ إذ سخّرت سلطات الاحتلال البريطاني أعدادًا كبيرة من أبنائها للعمل في الخدمات اللوجستية والإمداد والنقل، مستفيدة من موقع مصر الاستراتيجي، وقربها من جبهات القتال في سيناء وفلسطين، فضلًا عن قدرتها على توفير العمالة اللازمة لدعم القوات البريطانية في مناطق أخرى، من بينها فرنسا.

وتشير دراسات تاريخية أكاديمية إلى أن نحو نصف مليون مصري جرى تجنيدهم أو استقدامهم للعمل ضمن «فيلق العمال المصري» خلال الحرب، وكان معظمهم من الفلاحين والعمال القادمين من الريف المصري. وقد أدوا أعمالًا شاقة في نقل الإمدادات، وتحميل السفن، وإنشاء خطوط النقل، ودعم القوات العسكرية في عدد من مسارح العمليات.

وهنا تبرز حقيقة تاريخية مهمة: لم يكن هؤلاء جميعًا جنودًا في الجيش المصري، بل كان معظمهم من العمال المدنيين الذين جرى توظيفهم لخدمة المجهود الحربي البريطاني، في ظل خضوع مصر للنفوذ والاحتلال البريطاني. [1]

مصر والحرب العالمية الأولى.. حين تحولت البلاد إلى قاعدة استراتيجية

مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في أغسطس 1914، اتخذ الصراع أبعادًا جديدة في الشرق الأوسط، خاصة بعد دخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا وحلفائها.

وفي ديسمبر 1914، أعلنت بريطانيا فرض الحماية على مصر، وأنهت رسميًا تبعيتها الاسمية للدولة العثمانية، بينما بقي القرار السياسي والعسكري الفعلي خاضعًا بدرجة كبيرة للسلطات البريطانية.

وأصبحت قناة السويس، باعتبارها أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ذات أهمية استراتيجية استثنائية بالنسبة إلى بريطانيا؛ إذ كانت تربط طرق الملاحة بين أوروبا ومناطق الإمبراطورية البريطانية في آسيا.

ومن ثم، تحولت مصر إلى قاعدة رئيسية للقوات البريطانية، ومركز للإمدادات والتحركات العسكرية، كما أصبحت الأراضي المصرية نقطة انطلاق لدعم العمليات التي امتدت إلى سيناء وفلسطين وبلاد الشام، فضلًا عن جبهات أخرى.

ولم تقتصر أعباء الحرب على تحركات الجيوش، بل امتدت إلى الاقتصاد المصري والقرى الزراعية والأسر التي فقدت أيديًا عاملة كانت تعتمد عليها في معيشتها اليومية.

نصف مليون مصري.. عمال وفلاحون في خدمة المجهود الحربي

يُعد «فيلق العمال المصري» أحد أبرز الملفات التي تكشف حجم المشاركة المصرية في الحرب العالمية الأولى، وهو ملف ظل أقل حضورًا في كثير من الروايات الشعبية التي ركزت على المعارك والقادة العسكريين.

فقد احتاجت القوات البريطانية إلى أعداد ضخمة من العمال القادرين على تنفيذ المهام التي تضمن استمرار الإمدادات إلى الجبهات. وشملت هذه المهام تحميل وتفريغ السفن، ونقل الذخائر والمؤن، والعمل في الموانئ، وإنشاء الطرق وخطوط السكك الحديدية، وأعمال الحفر والصيانة وغيرها من الخدمات المساندة.

وتوضح دراسة الباحث كايل أندرسون المنشورة في دورية International Journal of Middle East Studies التابعة لجامعة كامبريدج أن العمال المصريين شاركوا في دعم القوات البريطانية في مناطق متعددة، من بينها شبه جزيرة سيناء وفلسطين والسودان وبلاد الرافدين، فضلًا عن وجود آلاف منهم في الموانئ الفرنسية.

وتشير الدراسة إلى أن ما لا يقل عن عشرة آلاف عامل مصري كانوا يعملون في موانئ فرنسية، من بينها مرسيليا وكاليه وبولوني، خلال إحدى مراحل الحرب، حيث تولوا أعمال الشحن والتفريغ ونقل البضائع إلى خطوط السكك الحديدية المتجهة إلى الجبهة الغربية. [1]

وهكذا، لم يكن دور المصريين محصورًا في مكان واحد، بل امتد إلى شبكات الإمداد التي اعتمدت عليها الجيوش في إدارة حرب واسعة النطاق.

ومن المهم أيضًا التمييز بين فيلق العمال المصري وفيلق نقل الجمال المصري؛ فالأول اضطلع بأعمال متنوعة في الخدمات اللوجستية، بينما تخصص الثاني في نقل الإمدادات والمؤن باستخدام الجمال، خاصة في المناطق الصحراوية التي يصعب على وسائل النقل التقليدية الوصول إليها.

من فرنسا إلى فلسطين.. حضور مصري في قلب خطوط الإمداد

عندما نتحدث عن مشاركة المصريين في الحرب العالمية الأولى، فإن الصورة الأكثر دقة ليست صورة جيش مصري مستقل خاض جميع معارك أوروبا، وإنما صورة آلاف العمال والفلاحين الذين أسهموا في تشغيل منظومة الإمداد التي احتاجت إليها القوات البريطانية.

فالحرب الحديثة لا تعتمد على المقاتلين وحدهم؛ إذ تتطلب نقل الطعام والمياه والملابس والمعدات، وإقامة الطرق، وتشغيل الموانئ والسكك الحديدية، وإخلاء المواقع، وإيصال الاحتياجات إلى القوات الموجودة في مناطق بعيدة.

وفي جبهات سيناء وفلسطين، كانت طبيعة الأرض الصحراوية تجعل عمليات النقل والإمداد أكثر صعوبة، وهو ما زاد الاعتماد على العمالة المصرية ووسائل النقل التقليدية، وفي مقدمتها الجمال.

وقد أسهم المصريون في هذه المنظومة في ظروف قاسية، اتسمت في كثير من الأحيان بطول ساعات العمل، والابتعاد عن أسرهم، ومخاطر المرض والإرهاق، فضلًا عن تعرض بعضهم لضغوط إدارية شديدة أثناء عمليات التجنيد.

وتؤكد الدراسات التاريخية أن عملية توفير العمالة لم تكن دائمًا اختيارية بالمعنى الكامل؛ إذ استخدمت السلطات البريطانية والإدارة المحلية أساليب ضغط متعددة للحصول على الأعداد المطلوبة، الأمر الذي أثار انتقادات وطنية مصرية في ذلك الوقت. [1]

هل شارك المصريون في المعارك باعتبارهم جيشًا وطنيًا؟

تحتاج هذه النقطة إلى توضيح تاريخي مهم.

فقد كانت هناك قوات مصرية وعناصر عسكرية وهندسية وخدمات مساندة شاركت في بعض المهام المرتبطة بالحرب، لكن لا يصح وصف جميع العمال المصريين الذين جرى إرسالهم إلى الخارج بأنهم جنود في الجيش المصري، أو اعتبارهم قوة عسكرية مصرية مستقلة خاضت الحرب في مختلف الجبهات.

وتشير دراسة للمؤرخ خالد فهمي، محفوظة في مستودع الأبحاث بجامعة كامبريدج، إلى أن نحو مائة ألف مصري شاركوا في الحرب ضمن فيلق العمال المصري، وأن هؤلاء كانوا في الأساس فلاحين ومدنيين، وليسوا جنودًا في الجيش المصري بالمعنى العسكري المعتاد. [2]

ولا يقلل هذا التمييز من قيمة ما قدموه، بل يمنح قصتهم معناها الحقيقي؛ فقد تحمل مواطنون عاديون أعباء حرب عالمية لم يكونوا أصحاب القرار في خوضها، وأسهموا بعملهم في دعم العمليات العسكرية عبر مسافات شاسعة.

قناة السويس ومعارك الدفاع عن مصر

لم تكن مصر مجرد مصدر للعمالة، بل كانت أيضًا ساحة ذات أهمية عسكرية مباشرة.

ففي مطلع عام 1915، حاولت قوات عثمانية مهاجمة منطقة قناة السويس، بهدف إلحاق الضرر بأحد أهم خطوط الاتصال البريطانية. وواجهت القوات المدافعة الهجوم في معارك دارت على امتداد القناة، وانتهت بفشل المحاولة العثمانية في تحقيق هدفها الرئيسي.

وكانت الدفاعات البريطانية تضم تشكيلات متعددة، إلى جانب عناصر مصرية ومساندة من قوات الإمبراطورية البريطانية.

وبعد ذلك، شهدت الحدود الغربية لمصر اضطرابات ومواجهات خلال حملة السنوسيين بين عامي 1915 و1917، وهي حملة ارتبطت بتطورات الحرب في شمال إفريقيا وبالعلاقات المعقدة بين القوى الأوروبية والعثمانيين والحركة السنوسية.

وفي معركة العقاقير، المعروفة تاريخيًا باسم «أجاقيا» أو «Agagia»، في 26 فبراير 1916، تمكنت القوات البريطانية وحلفاؤها من هزيمة القوة السنوسية الرئيسية في المنطقة الساحلية الغربية، وأُسر قائدها جعفر باشا. وتوضح السجلات التاريخية أن المعركة كانت جزءًا من حملة عسكرية أوسع، وليست انتصارًا لجيش مصري مستقل كما تذهب بعض الروايات المتداولة. [3]

وتكشف هذه الأحداث أن مصر كانت في قلب الحسابات العسكرية للحرب، وأن موقعها الجغرافي جعلها محورًا أساسيًا في الصراع بين الإمبراطوريات.

العمال المصريون وثمن الحرب.. الجانب الذي لا ينبغي تجاهله

وراء الأرقام والخرائط العسكرية كانت هناك قصص إنسانية لمئات الآلاف من المصريين الذين ابتعدوا عن قراهم وأسرهم، ووجدوا أنفسهم في بيئات مختلفة، وأحيانًا في مناطق بعيدة عن بلادهم بآلاف الكيلومترات.

لم تكن ظروف العمل واحدة في جميع المواقع، لكن طبيعة المهام المطلوبة فرضت على كثيرين مشقة بدنية كبيرة، كما تعرض بعض العمال للأمراض والوفيات، فضلًا عن صعوبات العودة إلى الحياة الطبيعية بعد انتهاء الحرب.

وتوضح الدراسات الأكاديمية أن تجارب هؤلاء العمال لم تكن منفصلة عن الأوضاع الاجتماعية والسياسية في مصر، بل ارتبطت بالاحتقان الشعبي تجاه الاحتلال البريطاني، وبالتحولات التي أسهمت في تصاعد الحركة الوطنية المصرية.

وبعد انتهاء الحرب عام 1918، كانت مصر على موعد مع مرحلة سياسية جديدة، تبلورت فيها المطالب الوطنية بالاستقلال، وصولًا إلى ثورة 1919 التي شكلت محطة بارزة في تاريخ الحركة الوطنية الحديثة.

ومن هنا، فإن تاريخ العمال المصريين في الحرب ليس مجرد فصل من تاريخ المجهود الحربي البريطاني، بل هو أيضًا جزء من تاريخ المجتمع المصري وعلاقته بالاحتلال، وما ترتب على الحرب من ضغوط اقتصادية واجتماعية وسياسية.

الحرب العالمية الثانية.. مصر في قلب صراع جديد

بعد عقدين تقريبًا، عادت مصر لتحتل موقعًا استراتيجيًا بالغ الأهمية خلال الحرب العالمية الثانية التي اندلعت عام 1939.

وظلت قناة السويس ذات قيمة كبيرة للقوات البريطانية، وأصبحت الأراضي المصرية قاعدة لوجستية رئيسية في العمليات العسكرية بشمال إفريقيا.

ووصلت المواجهات إلى ذروتها في معركة العلمين عام 1942، عندما تمكنت قوات الحلفاء بقيادة الجنرال البريطاني برنارد مونتغمري من إيقاف تقدم قوات المحور بقيادة إرفين رومل، ثم الانتقال إلى الهجوم المضاد.

وكانت المعركة نقطة تحول مهمة في حملة شمال إفريقيا، لكنها لم تكن نهاية الحرب العالمية الثانية، التي استمرت حتى عام 1945.

أما الموقف السياسي المصري خلال الحرب، فقد تأثر باستمرار الوجود البريطاني والتدخل في شؤون الحكم، وبالضغوط الاستراتيجية المرتبطة بحماية قناة السويس ومصالح بريطانيا في المنطقة. ولذلك، فإن اختزال الموقف المصري في رواية واحدة عن رفض دخول الحرب أو إعلان القاهرة مدينة مفتوحة يحتاج إلى أدلة تاريخية محددة، ولا ينبغي عرضه باعتباره حقيقة محسومة دون توثيق.

لماذا تستحق هذه القصة أن تعود إلى الذاكرة؟

إن استعادة تاريخ المصريين في الحرب العالمية الأولى لا تعني تضخيم الوقائع أو تحويل كل عامل مصري إلى جندي خاض المعارك، كما لا تعني تجاهل طبيعة الاحتلال البريطاني والسياسات التي فرضت على البلاد خلال تلك المرحلة.

بل تعني تقديم التاريخ كما كان: آلاف مؤلفة من العمال والفلاحين المصريين شاركوا في تشغيل خطوط الإمداد، وتحملوا مشاق العمل في مصر والشرق الأوسط وأوروبا، وأسهموا في المجهود الحربي الذي اعتمدت عليه بريطانيا وحلفاؤها.

أما الحديث عن وجود مقابر مصرية في أوروبا، أو عن أسماء مثل محمد وأحمد والسيد على شواهد القبور، فيحتاج إلى تحديد المقابر والمواقع والوثائق التي تثبت ذلك، بدلًا من تعميم روايات لا تتوافر لها أدلة كافية في النص المتداول.

فالتاريخ الوطني لا يحتاج إلى مبالغات كي يكون عظيمًا، وإنما يحتاج إلى بحث موثق يرد الاعتبار لمن غابت أسماؤهم عن كثير من الكتب، ويكشف الأبعاد الإنسانية والاجتماعية لتجاربهم.

الخلاصة: لقد كان المصريون جزءًا من التاريخ العالمي للحرب العالمية الأولى، ليس فقط بحكم موقع بلادهم الاستراتيجي، وإنما أيضًا من خلال العمل الشاق الذي قدمه مئات الآلاف من أبنائها في خدمة المجهود الحربي البريطاني. وتبقى قصتهم جديرة بالبحث والتوثيق، باعتبارها جزءًا أصيلًا من تاريخ مصر الحديث، وتذكيرًا بأن الحروب لا يصنعها القادة وحدهم، بل يتحمل أعباءها أيضًا أناس بسطاء لا تظهر أسماؤهم دائمًا في صفحات الانتصارات.

المصادر والمراجع

1. كايل أندرسون، «The Egyptian Labor Corps: Workers, Peasants, and the State in World War I»، دورية International Journal of Middle East Studies، الصادرة عن Cambridge University Press.

   https://www.cambridge.org/core/journals/international-journal-of-middle-east-studies/article/egyptian-labor-corps-workers-peasants-and-the-state-in-world-war-i/345E2D975EFD18631263DD1385EDB599

2. خالد فهمي، «السطو على التاريخ: الجيش المصري في الحرب العالمية الأولى»، دراسة متاحة عبر مستودع الأبحاث بجامعة كامبريدج.  https://www.repository.cam.ac.uk/items/7eb36e84-1915-49ab-8aae-ff89a48c0b5d

3. المتحف الوطني للجيش البريطاني، «Senussi Revolt»، عرض تاريخي لحملة السنوسيين خلال الحرب العالمية الأولى.

   https://www.nam.ac.uk/explore/senussi-revolt

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *