كتب دكتور/ شريف الجندي
من قلب الأقصر، خرجت حكاية رجل لم يكن انتماؤه الديني حاجزًا أمام وطنيته، ولم يكن ثراؤه سببًا للابتعاد عن قضايا شعبه؛ إنه توفيق باشا أندراوس، أحد الوجوه البارزة في الحركة الوطنية المصرية، الذي ارتبط اسمه بثورة 1919 والزعيم سعد زغلول، وترك وراءه سيرة تستحق أن تُروى للأجيال.
النشأة في أسرة عريقة.. حيث يلتقي الثراء بالعمل العام
وُلد توفيق باشا أندراوس عام 1893، ونشأ في أسرة عريقة ذات مكانة اقتصادية واجتماعية بارزة في صعيد مصر. وكان والده، أندراوس باشا بشارة، من كبار الأثرياء في عصره، إلا أن مكانة الأسرة لم تقتصر على المال والنفوذ، بل ارتبطت أيضًا بأعمال البر والخدمات العامة.
وتشير الروايات التاريخية المتداولة عن الأسرة إلى أن والده أوقف نحو مائة فدان لخدمة مساجد وكنائس الأقصر بالتساوي، كما خصص عشرة أفدنة لخدمة المدرسة الصناعية، وأسهم في إقامة مدرسة للأقباط، إلى جانب بناء مساجد، من بينها مسجد المقشقش ومسجد المدامود، فضلًا عن مشروعات خيرية أخرى.
وقد عكست هذه المبادرات تصورًا مبكرًا لمعنى المسؤولية الاجتماعية، يقوم على خدمة المجتمع بمختلف أطيافه، وهو النهج الذي ارتبط باسم عائلة أندراوس في الذاكرة الشعبية للأقصر.
جامعة أكسفورد وبدايات الطريق الوطني
لم يكن توفيق باشا أندراوس مجرد وريث لثروة عائلية كبيرة، بل اتجه إلى التعليم والعمل السياسي، وتذكر المصادر التاريخية أنه درس في جامعة أكسفورد بإنجلترا، قبل أن يعود إلى مصر ويبرز اسمه في الحياة العامة.
ومع تصاعد الحركة الوطنية المصرية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، اتخذ توفيق أندراوس موقفًا واضحًا من القضية الوطنية، وانضم إلى صفوف الحركة التي طالبت بإنهاء الاحتلال البريطاني وتحقيق استقلال مصر.
وكانت ثورة 1919 نقطة فارقة في مسيرته؛ إذ انخرط في النشاط الوطني المرتبط بحزب الوفد وزعيمه سعد زغلول، لتتحول علاقته بالقضية الوطنية إلى التزام عملي لم تقتصر آثاره على الخطابات والمواقف السياسية.
رفض إغراءات القصر الملكي.. والتمسك بالقضية الوطنية
تروي المصادر التي تناولت سيرته أن القصر الملكي حاول استمالة توفيق باشا أندراوس وإبعاده عن نشاطه الوطني، من خلال عرض منصب سفير مصر في لندن عليه، عبر أحمد حسنين باشا، الذي جمعته به صلة دراسة في أكسفورد.
ووفقًا لهذه الروايات، ارتبط العرض بشرط ابتعاده عن الحركة الوطنية ومواقفه المناهضة للوجود البريطاني، لكنه رفض التخلي عن نشاطه السياسي، مفضلًا الاستمرار في مساندة الحركة الوطنية.
وتكشف هذه الواقعة، كما ترويها المصادر، جانبًا من طبيعة الصراع السياسي في تلك المرحلة؛ إذ لم تكن المواجهة مع الاحتلال البريطاني منفصلة عن التجاذبات الداخلية بين الحركة الوطنية والقصر الملكي.
عام 1921.. الأقصر تفتح أبوابها لسعد زغلول
تظل واقعة استقبال الزعيم سعد زغلول في الأقصر عام 1921 من أبرز المحطات المرتبطة باسم توفيق باشا أندراوس.
ففي ذلك الوقت، كان سعد زغلول يقوم برحلة نيلية إلى مدن الصعيد، بهدف حشد التأييد الشعبي للمطالب الوطنية، في ظل القيود التي فرضتها السلطات على تحركاته واستقبال الجماهير له.
وتذكر الروايات التاريخية أن السلطات حاولت منع الباخرة التي تقل سعد زغلول من الرسو في عدد من المواقع بصعيد مصر، تحت مبررات تتعلق بالأمن العام.
لكن توفيق باشا أندراوس اتخذ موقفًا تحديًا لهذه القيود؛ فحشد أهالي الأقصر لاستقبال الزعيم الوطني، واستفاد من صفته قنصلًا لعدد من الدول، وفق ما تذكره الروايات، في تهيئة الظروف لاستقبال الباخرة أمام قصره المطل على النيل.
وهكذا تحولت الأقصر إلى محطة بارزة في رحلة سعد زغلول، واستقبل الأهالي الزعيم وسط مظاهر التأييد الشعبي، فيما ارتبط قصر أندراوس منذ ذلك الحين بصفحات مهمة من تاريخ الحركة الوطنية.
ولم يكن الحدث مجرد استقبال سياسي عابر، بل حمل دلالة على اتساع قاعدة الحركة الوطنية المصرية، وقدرتها على تجاوز الانقسامات الدينية والاجتماعية، والالتفاف حول مطلب الاستقلال.
700 فدان لدعم الحركة الوطنية
ومن المواقف التي ترويها المصادر عن توفيق باشا أندراوس، أنه بعد نفي سعد زغلول وعدد من رفاقه، بادر إلى بيع نحو 700 فدان من أملاكه، ووضع حصيلة البيع تحت تصرف صفية زغلول، زوجة الزعيم، للمساهمة في تمويل الحركة الوطنية.
وتذكر الروايات أن هذه الخطوة جاءت في وقت كانت فيه الحركة الوطنية تواجه أعباء مالية كبيرة، وأن توفيق أندراوس رأى في دعمها واجبًا يتقدم على الاحتفاظ بثروته.
وإذا كانت المواقف السياسية تُقاس بما يعلنه أصحابها من شعارات، فإن هذه الرواية تقدم صورة عن استعداد الرجل، وفق ما تناقلته المصادر، لتقديم جانب كبير من ثروته في سبيل القضية التي آمن بها.
نائب الأقصر.. ثقة شعبية تجاوزت الانتماءات الدينية
لم يقتصر دور توفيق باشا أندراوس على النشاط الوطني، بل امتد إلى العمل النيابي وخدمة أبناء الأقصر.
وتذكر المصادر أنه شغل مقعد الأقصر النيابي لثلاث دورات متتالية، وظل ممثلًا للمدينة حتى وفاته عام 1935. وقد ارتبط اسمه في الذاكرة المحلية بالخدمات العامة والمواقف السياسية التي تبناها خلال سنوات عمله.
وتتداول الروايات واقعة ترشح أحد رجال القصر الملكي، خيري باشا، لمنافسته في إحدى الدورات، مع الإشارة إلى أن منافسه لم يحصل إلا على صوت واحد، في رواية تعكس حجم التأييد الشعبي الذي حظي به أندراوس في مدينته.
كما تنسب إليه روايات محلية جهودًا أسهمت في وصول خدمات أساسية، مثل المياه النقية والكهرباء، إلى الأقصر في مرحلة مبكرة. وتحتاج المقارنة الزمنية المتعلقة بوصول هذه الخدمات إلى توثيق مستقل قبل الجزم بأنها سبقت وصولها إلى الجيزة.
ومهما اختلفت تفاصيل الروايات بشأن بعض الوقائع، فإن الثابت في سيرته المتداولة هو ارتباط اسمه بالعمل النيابي والحركة الوطنية، وبعلاقة وثيقة مع أبناء الأقصر على اختلاف انتماءاتهم.
قصر أندراوس.. شاهد تاريخي على مرحلة من تاريخ مصر
لم يكن قصر توفيق باشا أندراوس مجرد مسكن لعائلة ثرية، بل ارتبط بأحداث سياسية مهمة، أبرزها استقبال سعد زغلول خلال رحلته إلى الصعيد.
ويقع القصر التاريخي في محيط معبد الأقصر وعلى كورنيش النيل، وقد ارتبط اسمه بمرحلة ثورة 1919، حتى عُرف في بعض الكتابات بوصفه «بيت الأمة» في الأقصر.
ويمثل القصر، في الذاكرة التاريخية للمدينة، شاهدًا على مرحلة كان فيها العمل الوطني يتجاوز حدود العاصمة، ليجد امتداده في مدن الصعيد وقراه، حيث شارك رجال وشخصيات من خلفيات اجتماعية ودينية مختلفة في الحركة المطالبة بالاستقلال.
وقد أثارت قضية القصر التاريخي لاحقًا اهتمامًا عامًا بسبب ما تعرضت له أجزاء منه من هدم، وما ارتبط بالموقع من نقاشات بشأن الحفاظ على التراث المعماري والتاريخي للأقصر.
رحيل مبكر.. ونهاية فصل من سيرة وطنية
توفيق باشا أندراوس، الذي ارتبط اسمه بمرحلة مهمة من تاريخ الحركة الوطنية، رحل في السادس من يناير عام 1935، عن عمر لم يتجاوز 42 عامًا وفق تاريخ ميلاده المتداول عام 1893.
وجاء رحيله بينما كان لا يزال حاضرًا في الحياة العامة، تاركًا وراءه سيرة ارتبطت بمساندة سعد زغلول، والعمل النيابي، ومواقفه في مواجهة القيود التي فُرضت على الحركة الوطنية.
وتذكر الروايات التاريخية أن جنازته شهدت حضور شخصيات سياسية وعامة، من بينهم مكرم عبيد باشا وتوفيق دوس باشا، إلى جانب رجال دين وشخصيات من أبناء الأقصر، في مشهد عكس المكانة التي احتلها الراحل لدى قطاعات من المجتمع.
وقد ظل اسمه حاضرًا في الذاكرة المحلية بوصفه أحد أبناء الأقصر الذين جمعوا بين الثروة والعمل العام والانخراط في القضية الوطنية.
درس في المواطنة.. ما الذي تركه توفيق باشا أندراوس؟
تتجاوز سيرة توفيق باشا أندراوس حدود الحكاية الشخصية؛ فهي تفتح بابًا للتأمل في معنى المواطنة خلال مرحلة شديدة التعقيد من تاريخ مصر.
فقد كان رجلًا قبطيًا مصريًا ارتبط اسمه بحركة وطنية قادها سعد زغلول، وحظي بثقة شعبية في مدينة ذات أغلبية مسلمة، وفق ما تذكره المصادر التاريخية، كما ارتبطت أسرته بأعمال خيرية شملت مؤسسات دينية وتعليمية متنوعة.
ولم تكن قيمة تجربته في خلفيته الاجتماعية أو ثروته وحدهما، بل في الطريقة التي ارتبط بها اسمه بقضية الاستقلال وخدمة المجتمع.
إن استعادة سيرته اليوم ليست مجرد استدعاء لاسم من الماضي، بل تذكير بأن تاريخ مصر الوطني صاغه رجال من خلفيات متعددة، جمعهم الإيمان بوطن واحد، وأن ما يبقى من الإنسان في ذاكرة الشعوب هو أثره في حياة الناس ومواقفه في اللحظات الفاصلة.
توفيق باشا أندراوس.. اسم ارتبط بالأقصر، وصفحة من تاريخ الوطنية المصرية، وشاهد على أن المواطنة الحقيقية تُقاس بالمواقف والعطاء، لا بالانتماءات وحدها.