حين يتحول الدفاع عن المرأة إلى خصومة مع الدين

كتبت/ رحمه اسلام عبدالعزيز

في الفترة الأخيرة بقى فيه خطاب نسوي متخلف بيقدّم العلاقة بين المرأة والدين وكأنها معركة لازم المرأة تكسبها، فالحجاب بيُقدم باعتباره قيد والالتزام بضوابط الزينة تحكُّم وقوامة الرجل انتقاص من المرأة، وأي حديث عن واجباتها بيتم تفسيره على إنه محاولة للسيطرة عليها.

لكن السؤال: هل فعلا كل حكم شرعي لا يتفق مع رغباتنا يبقى ظلم؟ وهل الدفاع عن المرأة معناه إنها ترفض كل ما لا يعجبها باسم الحرية؟

أظن إن المشكلة مش في المطالبة بحقوق المرأة، لكن في إن بعض الخطابات بتحوّل المطالبة بالحقوق إلى رفض لأحكام الدين، وكأن المرأة مش هتكون حرة إلا لو تخلّصت من كل ما يطلبه منها.

طبعا لا يمكن إنكار إن فيه بعض المشايخ والمتحدثين باسم الدين بيخلطوا بين الأحكام الشرعية والعادات الاجتماعية، وفيه رجال بيستخدموا الدين لتبرير التحكم في المرأة والتدخل في تفاصيل حياتها اللي الدين بالمناسبة أعطاها فيها خصوصية مطلقة زي ذمتها المالية مثلا، لكن برضه وجود النماذج دي لا يعني إنها بتمثل الإسلام كله.

الأزمة فين بقا.. الأزمة إن بعض الناس بتتمسك بالأمثلة دي وتتعامل معاها كأنها الصورة الوحيدة للدين، وتتجاهل العلماء اللي بيشرحوا الأحكام بأدلتها ويفرقوا بين الثابت شرعا وما يقبل الاجتهاد والاختلاف، والأهم إن لو فيه حد استخدم الدين لتبرير تصرف خاطئ فده لا يجعل تصرفه صحيح، ولا يجعل الدين مسؤولا عن كل ما ينسبه إليه، وطبعا مينفعش نواجه الخطأ إلا بعد ما نعرفه علشان نعرف نصححه مش إننا نعمم الحكم على الدين كله.

الأخطر بقا إن في بعض النساء ممكن يتأثروا بتجاربهم السيئة مع رجال استخدموا الدين بطريقة متشددة لدرجة إنهم يبدأوا يرفضوا كل ما يرتبط بالدين حتى لو كان الحكم نفسه ثابت ولا علاقة له بالتصرف اللي ضايقهم.

فتتحول المسألة من رفض التسلط إلى رفض القوامة ومن الاعتراض على التشدد إلى الاعتراض على أحكام شرعية ومن الرغبة في استرداد الحقوق إلى اعتبار كل تكليف ديني محاولة لإلغاء الحرية، ومن ضرورة احترام الفوارق الطبيعية بين الذكر والأنثى إلى اعتبار ذلك عنصرية وتحيز ضد المرأة وعدم مساواة.

وأنا هنا بسأل سؤال بريء: من إمتى بقت مخالفة الرجل معناها إننا لازم نخالف الدين؟ وهل لو رجل أساء استخدام حكم شرعي يبقى الحل إننا نرفض الحكم نفسه؟

الرجل يا بنات مش هو الدين، وخطأه مش دليل على خطأ كل ما يؤمن به، والست مش محتاجة تعاند الدين علشان تثبت إن الرجل غلط، زي ما الرجل مش من حقه يستخدم الدين علشان يفرض سيطرته عليها.

وبعدين مهم جدا إننا نعرف إن من الأخطاء إن الإنسان يقبل من الأحكام للي يناسبه ويرفض للي ما يناسبوش، وبعدين يحاول يوجد مبرر ديني لموقف هو أصلا خده قبل ما يشوف الدين بيقول ايه .

وخلينا نكون متفقين على إن القرآن الكريم والسنة النبوية هما المصدران الأساسيان للتشريع، ومن أصول الاستدلال المشهورة في الفقه الإسلامي برضه الإجماع والقياس، أما العُرف فله اعتبار في بعض المسائل الفقهية بشروط، لكنه لا يجعل كل عادة منتشرة حكم شرعي.

وده معناه إن مش كل حكم لازم يكون مذكور بنص مباشر في القرآن أو السنة، لأن العلماء بيستنبطوا أحكام لمسائل مختلفة وفق أصول وضوابط معروفة، وفي المقابل مش كل رأي يقوله شيخ يبقى حكم شرعي لمجرد إنه قاله… وناخد بالنا دايما من الفرق بين الفتوى المعتمدة من أهلها، وبين “الهرتلة” للي البعض بيهرتلها… وآسفة إني أستخدم لفظ زي ده.

علشان كده لما نسمع حكم ديني المفروض نبحث عن دليله، ونعرف هل هو محل اتفاق ولا فيه خلاف معتبر، ونفرّق بين الحكم الشرعي والعادة الاجتماعية، فلا نقبل كل ما يُقال باسم الدين من غير علم، ولا نرفض حكم لمجرد إننا مش عايزين نلتزم بيه، وبرضه منرفضش العادات الاجتماعية للي صارت عرف مستساغ لدى الناس لمجرد إنها ضد رغباتنا، لأن العرف ده الشرع نفسه بيحكمه في بعض الأمور ويخليه مصدر للحكم عليها، وبالتالي مينفعش إحنا كبنات نرفضه…

وهديكم مثل… لو انت متفقة مع صاحبتك تروحوا مشوار خارج نطاق سكنك سواء خارج منطقتك أوقريتك او مدينتك، هتلاقي أبوكي أو أخوكي بيقولك موافق بس متتأخريش عن الساعة كذا، فهتقولي له ليه؟ فربما ميلاقيش جواب غير إنه يقولك هو كده… ساعتها متستغربيش ومتحاوليش تجادلي، لأن هو ده العرف،وهو مش هيقول لك سبب.. مجتمعنا تعارف على إن البنت أو الست مينفعش تتأخر بره بيتها عند حد معين، فخلاص مينفعش “ننطح” في عرف قائم وشبه مجمع عليه،ومش عاوزه أقول إنه بيعضده حاجات كتيرة جدا من جوه الدين نفسه، علشان دي ممكن تكون نقطة خلاف عند كثيرات.

أرجع بيكم تاني لموضوع الأمورالمختلف فيها كأحكام شرعية، ومن الأمثلة الواضحة عليها طبعا محاولات تبرير خلع الحجاب أو تجاهل ضوابط اللباس والزينة باسم الحرية الشخصية.

الحجاب واجب في الفقه الإسلامي السائد، ومش معنى إن بعض الناس بيستخدموا الدين بطريقة خاطئة إننا نغير الحكم نفسه علشان نتجنب الاعتراض عليه، والزينة لها أحكام وتفاصيل، ومش كل صورة منها لها الحكم نفسه لذلك لازم نفهم الضوابط الشرعية بدل ما نعمم من غير علم.

وفيه فرق بين إن الإنسان يقع في تقصير ويعترف بيه، وبين إنه يحاول يغيّر معنى الحكم علشان يبرر لنفسه عدم الالتزام بيه… مش مطلوب من الإنسان إنه يكون بلا أخطاء لكن مطلوب منه إنه يكون صادق مع نفسه وما يحوّلش رغبته الشخصية إلى مبرر ديني.

وبرضه من الأفكار اللي بتظهر في بعض الخطابات النسوية إن العدل بين الرجل والمرأة لا يتحقق إلا لو كانت كل مسؤولياتهما وأدوارهما متطابقة، لكن اختلاف بعض الأحكام والمسؤوليات لا يعني بالضرورة اختلاف القيمة أو الكرامة.

يا جماعة… الإسلام كرّم الرجل والمرأة زي بعض بوصفهم “إنسان”، وجعل لكل واحد فيهم حقوق وواجبات، لكن ده لا يعني إن كل الأحكام بينهما متطابقة، ولكل مسألة دليلها وضوابطها فميصحش إننا نحكم على جميع الأحكام بمعيار واحد من غير ما نفهمها.

أما القوامة فهي مسؤولية وليست سلطة مطلقة، ولا تبرر الإهانة أو الظلم أو التحكم في كل تفاصيل حياة المرأة، لكن رفض التسلط برضه لا يعني إنكار القوامة نفسها أو رفض كل مسؤولية شرعية للرجل، صدقوني المشكلة مش في الاختلاف لكن في إساءة فهمه سواء من رجل بيستخدمه لتبرير الظلم أو من خطاب نسوي بيرفضه لمجرد إنه لا يتفق مع تصوره للمساواة.

وفي النهاية يا جماعة الست مش محتاجة ترفض دينها علشان تثبت كرامتها، والرجل مش من حقه يستخدم الدين علشان يثبت سلطته، ومن حق المرأة إنها تسأل وتفهم وتطالب بحقوقها لكن ده لا يعني أبدا إن كل رغبة شخصية تتحول إلى حكم شرعي أو إن كل اختلاف مع الرجل يتحول إلى خلاف مع الدين.

المطلوب إننا نفرّق بين الدين وأخطاء من يتحدثون باسمه أو يلجأون إليه بلا فهم لتبرير أخطاءهم، وبين المطالبة بالحقوق ورفض الأحكام وبين الحرية وتحويل الأهواء إلى مبررات، فمش كل حكم او عادة ضد رغباتنا تبقى ظل، ومش كل رغبة عندنا حق لينا…

أرجوكم ارفعوا ايديكم عن الدين واتركوه لأصحابه من العلماء وتقربواإلى الله بما يحب، واحروا من كثرة الجدال وتذكروا إن النبي صلى الله عليه وسلم شبه للي بيقعد يحوم حولين الحرام ويقرب منه حتى لو مش هيعمله، بـ “راع يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه” أعاذانا الله وإياكم.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *