منوعات

من القصص الشعرية ( خرج “تأبط شراً” في ليلة من ليالي الفلاة، )

كتب دكتور / شريف الجندي 

خرج “تأبط شراً” في ليلة من ليالي الفلاة، لا قمر فيها ولا أنيس، يمشي في سهل مستوٍ ممتد، كأن الأرض فيه صحيفة بيضاء لا حد لها. 

كان السكون ثقيلاً، والريح تمر على الرمل كأنها أنفاس كائن خفي.

وبينما هو يشق طريقه، لمح هيئة تهوي نحوه من بعيد، تتحرك حركة غير بشرية، لا هي بعدو إنسان ولا بوثوب سبع.

اقتربت أكثر، فإذا هي كتلة مظلمة تتقلب في الفضاء، حتى بان له أنها غول، قائمة على هيئة لا تستقر على صورة، يتغير ظلها مع كل خطوة، كأنها خليط من بشر ووحش. فوقف ثابت، وثبّت قدميه في الأرض، وقال لها بثبات من لا يهاب الموت: كلانا هزيل من طول السفر، أخو فلاة وسير، فدعي لي مكاني وامضي في طريقك.

لكن الغول لم تجبه، بل اندفعت فجأة اندفاعة خاطفة، شدّت نحوه شدة الريح إذا عصفت، فارتفع ساعده في لحظة، وهوى بسيفه اليماني المصقول على جسدها. لم يضرب عن فزع أعمى، بل عن قصد محارب خبر الموت، فضربها ضربة شقّت الظلام، فخرّت الغول على الأرض صريعة، ارتجّت لها الرمال.

سكنت فجأة، ثم تحركت، وارتفع منها صوت مبحوح، كأنه خارج من بئر عميقة، تقول: عد… عد. فوقف ثابت فوقها، وقال ببرود الشجاع: رويدك، مكانك، فقد ثبت قلبي ولا أفر.

وجلس متكئًا عليها في ظلمة الليل، يرقبها حتى يطلع الصبح، يريد أن يرى حقيقتها على نور. ومع أول خيط للفجر، انكشف له المنظر الذي زاد قلبه قسوة: رأس قبيح، عينان غائرتان تحدّقان بصفرة حمراء، ولسان مشقوق كلسان الهر، وساقان قصيرتان مشوهتان، وشواة كلب بارزة من جسدها، وعليها ثوب ممزق كأنه عباءة بالية أو جلد يابس.

عندها أدرك أنه لم يكن أمام وحش من وحوش البرية، بل أمام كائن من عالم آخر، مخلوق تتجسد فيه خرافات الصحراء ومخاوف المسافرين. فقام عنها، وتركها جثة هامدة في الفلاة، وعاد يحمل في صدره قصة تزيده هيبة في أعين قومه، وتثبت اسمه في ذاكرة العرب: الرجل الذي صارع الغول في قلب الصحراء، وضربها بسيفه، ثم جلس ينتظر الصباح متكئًا على جسدها، لا يهرب ولا يرتعد.

ويروي هو نفسه لقاءه بالغول في أبيات مشهورة، يصور فيها مغامرة موحشة في فلاة مقفرة، حين قال:

أَلا مَن مُبلِغٌ فِتيانَ فَهمٍ

بِما لاقَيتُ عِندَ رَحى بِطانِ

بِأَنّي قَد لَقيتُ الغولَ تَهوي

بِسَهبٍ كَالصَحيفَةِ صَحصَحانِ

فَقُلتُ لَها كِلانا نِضوُ أَينٍ

أَخو سَفَرٍ فَخَلّي لي مَكاني

فَشَدَّت شَدَّةً نَحوي فَأَهوى

لَها كَفّي بِمَصقولٍ يَماني

فَأَضرِبُها بِلا دَهَشٍ فَخَرَّت

صَريعاً لِليَدَينِ وَلِلجِرانِ

فَقالَت عُد فَقُلتُ لَها رُوَيداً

مَكانَكِ إِنَّني ثَبتُ الجَنانِ

فَلَم أَنفَكُّ مُتَّكِئً لَدَيها

لِأَنظُرَ مُصبِحاً ماذا أَتاني

إِذا عَينانِ في رَأسٍ قَبيحٍ

كَرَأسِ الهِرِّ مَشقوقِ اللِسانِ

وَساقا مُخدَجٍ وَشَواةُ كَلبٍ

وَثَوبٌ مِن عَباءٍ أَو شَنانِ

ومع كثرة ما رُوي عنه من حكايات خرافية مع الجن والغيلان، فإن من وصفوه بالغوا حتى جعلوه كأنه هو الغول بعينه: له ضفيرتان كأنهما قرنا شيطان، وعينان حمراوان تنبعث منهما أشعة كريهة تنذر الناظر بالموت، وفمه كفوهة بئر، وأنفه كرأس البعير، مع أوصاف أخرى كثيرة في القبح والهيئة.

ومع هذه الصورة المرعبة، يُعد تأبط شراً ممن عشقته النساء، كما يبدو في شعره.

و يذكر ابن حمدون في «تذكرته» أن تأبط شراً كان عجبًا من العجائب، وعدّاءً فاتكًا شجاعًا، يسبق الخيل عدوًا على رجليه، هو والشنفرى الأزدي وعمرو بن براق، وأن له أخبارًا كثيرة يبعد بعضها عن الصحة.

وتأبط شراً اسمه الحقيقي ثابت بن جابر بن سفيان بن عدي بن كعب بن حرب بن شيم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس بن غيلان.

ويذكر أبو الفرج الأصفهاني في «الأغاني» أن أمه امرأة يقال لها أميمة من بني القين، بطن من فهم، ولدت خمسة نفر: تأبط شراً، وريش بلغب، وريش نسر، وكعب جدر، ولا بواكي له، وقيل إنها ولدت سادسًا اسمه عمرو.

ويقول الصغاني في «العباب الزاخر» إن تأبط شراً لُقِّب بهذا اللقب لأنه كان لا يفارق السيف، وقال أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني: إنما سُمّي بذلك لأن أمه رأته وقد جعل جفير سهامه تحت إبطه وأخذ القوس، فقالت: لقد تأبطت شراً.

ويعود الأصفهاني فيذكر طائفة من أخباره، منها أنه لُقِّب تأبط شراً لأنه رأى كبشًا في الصحراء فاحتمله تحت إبطه، فجعل يبول عليه طول الطريق، فلما قرب من الحي ثقل عليه فلم يستطع حمله، فرمى به، فإذا هو غول. فقال له قومه: ما تأبطت يا ثابت؟ فقال: الغول. فقالوا: لقد تأبطت شراً، فغلب عليه اللقب.

وفي رواية أخرى أنه قال: قالت له أمه يومًا: كل إخوتك يأتيني بشيء إذا راحوا. فقال لها: سأأتيك الليلة بشيء. فمضى فصاد أفاعي كثيرة من أعظم ما قدر عليه، ثم جاء بها في جراب متأبطًا له، فألقاه بين يديها، فلما فتحته تساعين الأفاعي في البيت، فوثبت وخرجت فزعة. فقالت لها نساء الحي: ما أتاك به ثابت؟ قالت: أتاني بأفاعٍ في جراب. قلن: وكيف حملها؟ قالت: تأبطها. قلن: لقد تأبط شراً، فلزمه اللقب.

ويُروى في زيادة على هذه القصة أن أمه قالت له زمن ظهور الكمأة: ألا ترى غلمان الحي يجتنون لأهليهم الكمأة؟ فقال: أعطيني جرابك حتى أجتني لك فيه، فأعطته، فملأه لها أفاعي بدل الكمأة.

ويذكر الدكتور نجم عبد الكريم أن تأبط شراً كان خارق القوة، إن اتكأ على بعير أسقطه، وإن استوى على ظهر فرس أجهضها، وهو أسرع من الجياد الجامحة، ويسبق الظبي في عدوه، وإذا رمى رمحه كان كريح الشتاء.

“نحن نسعى جاهدين لأيصال المحتوى الممتع فلا تبخل علينا بالتفاعل و مشاركة المنشور على حسابك، فكيف تثمر شجرة أنتم لا تسقونها.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *