يَرَدُ، وقيل في نسبه: يَارَدُ بنُ مَهْلَائِيلَ. وأمُّه امرأة تُدعى سَمْعَن، وهي ابنةُ بَرَاكِيلَ بنِ مَحْوِيلَ بنِ حَنُوخَ بنِ قَيْنَ بنِ آدم عليه السلام.

كتب دكتور / شريف الجندي
يَرَدُ، وقيل في نسبه: يَارَدُ بنُ مَهْلَائِيلَ. وأمُّه امرأة تُدعى سَمْعَن، وهي ابنةُ بَرَاكِيلَ بنِ مَحْوِيلَ بنِ حَنُوخَ بنِ قَيْنَ بنِ آدم عليه السلام.
وكانت هذه المرأة خالةَ يَارَدَ في الوقت نفسه، إذ كانت من قرابته القريبة.
وقد وُلد يَارَدُ بعد أن مضى من عمر آدم عليه السلام أربعمائةٍ وستون سنة، أي في مرحلة متأخرة نسبيًّا من حياة آدم، حين كان نسل البشر قد بدأ ينتشر ويتكاثر في الأرض.
وفي الزمن الذي عاش فيه يَارَدُ وقعت أحداث عظيمة في تاريخ البشر الأوائل؛ إذ ظهرت في أيامه صناعةُ الأصنام، فابتدع بعض الناس عبادةَ التماثيل والأوثان، وعدل فريقٌ من البشر عن الدين الذي كان عليه آدم وبنوه من التوحيد والإسلام لله تعالى، فانحرفوا عن الطريق المستقيم واتبعوا سبل الضلال.
ثم إن يَارَدَ بلغ سنًّا متقدمة، فتزوج — كما يذكر ابن إسحاق — وهو ابنُ مائةٍ واثنتين وستين سنة. وكانت زوجته امرأة تُسمّى بَرِكْتَا، وهي ابنةُ الدَّرَمْسِيل بنِ مَحْوِيلَ بنِ حَنُوخَ بنِ قَيْنَ بنِ آدم عليه السلام، فهي أيضًا من نسل تلك السلسلة القديمة التي تعود إلى أبناء آدم الأوائل.
وقد رزق الله يَارَدَ من زوجته هذه ولدًا عظيم الشأن هو حَنُوخ، وهو الذي عُرف في التراث الإسلامي باسم إدريس النبي عليه السلام. ويُذكر أن إدريس عليه السلام كان أول إنسانٍ من بني آدم أكرمه الله تعالى بالنبوة بعد آبائه، فاختاره الله واصطفاه ليكون رسولًا إلى الناس يدعوهم إلى عبادة الله وحده. كما كان أول من خطَّ بالقلم ودوَّن به العلم، فكان ذلك بداية استعمال الكتابة في نقل المعارف بين البشر.
وكان إدريس عليه السلام كذلك أول من تأمل في علوم النجوم ومسالك الكواكب في السماء، واستنبط منها المعارف التي تتعلق بحساب الأزمنة والأيام والسنين، فكان له السبق في النظر في علم النجوم وعلم الحساب. وقد بلغ من تعظيمه عند بعض الأمم أن حكماء اليونانيين كانوا يسمّونه «هِرْمِس الحكيم»، ويجعلونه من كبار الحكماء الذين أخذت عنهم الأمم علومها، ويذكرونه في كتبهم بإجلال عظيم.
وعاش يَارَدُ بعد ولادة ابنه إدريس عليه السلام ثمانمائة سنة كاملة، وخلال هذه المدة الطويلة رُزق أبناءً وبناتٍ كثيرين، فكثر نسله وانتشر ذريته. وبذلك بلغ مجموع عمره تسعمائةٍ واثنتين وستين سنة، وهي من الأعمار الطويلة التي كانت مألوفة في الأزمنة الأولى من تاريخ البشر.
ويُروى أيضًا أن الله تعالى أنزل على إدريس عليه السلام ثلاثين صحيفة، أي كتبًا أو وحيًا مكتوبًا يتضمن الهداية والتشريع والمواعظ لبني آدم. وكان إدريس عليه السلام من أوائل من جاهدوا في سبيل الله، فقام بمواجهة أهل الفساد والانحراف، وسعى في رد الناس إلى عبادة الله تعالى وطاعته.
كما يُذكر أنه كان أول من قطع الثياب وخاطها على هيئة اللباس المعروف، بعد أن كان الناس يكتفون بلباس أبسط من ذلك، فكان له السبق في صناعة الثياب وخياطتها وتنظيمها على هيئة ألبسة تُلبس.
ويُروى كذلك أنه كان أول من غزا وقاتل من نسل قابيل بن آدم، وهم القوم الذين اشتهروا بالفساد والانحراف، فانتصر عليهم وأخذ منهم أسرى، فجعل بعضهم رقيقًا. ويُذكر أن إدريس عليه السلام كان الوصيَّ على ما تركه أبوه يَارَدُ من الوصايا والتعاليم، كما كان امتدادًا لسلسلة الوصايا التي تناقلها آباؤه بعضهم عن بعض منذ عهد آدم عليه السلام، محافظين بذلك على ما بقي من الدين الصحيح وتعاليم التوحيد.
وفي زمن إدريس عليه السلام توفي آدم عليه السلام، وكان ذلك بعد أن مضى من عمر إدريس ثلاثمائة وثماني سنين. وبذلك أدرك إدريس حياة آدم مدة طويلة، وعاصر زمنًا من أواخر حياته.
وقد قام إدريس عليه السلام بدعوة قومه إلى عبادة الله وحده، ووعظهم بالمواعظ البليغة، وأمرهم بطاعة الله تعالى واجتناب معصيته، وحذرهم من اتباع الشيطان ووساوسه. كما نهاهم عن مخالطة أبناء قابيل الذين اشتهروا بالفساد والشر، حتى لا يتأثروا بهم ولا ينساقوا إلى ضلالهم. غير أن كثيرًا من قومه لم يستجيبوا لدعوته ولم يقبلوا نصحه، فأعرضوا عنه واستمروا في طريقهم.
ويُذكر في التوراة أن الله تعالى رفع إدريس عليه السلام إليه بعد أن بلغ من عمره ثلاثمائةٍ وخمسًا وستين سنة، أي أن الله اصطفاه ورفعه إلى مقام عالٍ قبل أن يطول به العمر كما طال بغيره من آبائه. وكان ذلك الرفع بعد أن مضى من عمر أبيه يَارَدُ خمسمائةٍ وسبعٌ وعشرون سنة.
وقد بقي يَارَدُ حيًّا بعد رفع ابنه إدريس مدة طويلة بلغت أربعمائةٍ وخمسًا وثلاثين سنة، حتى اكتمل عمره الذي بلغ تسعمائةٍ واثنتين وستين سنة، ثم انتهت حياته بعد هذا العمر المديد الذي شهد فيه بدايات تاريخ البشر وتطور أحوالهم وانتشار نسل آدم في الأرض.
“نحن نسعى جاهدين لأيصال المحتوى النافع فلا تبخل علينا بالتفاعل و مشاركة المنشور على حسابك، فكيف تثمر شجرة أنتم لا تسقونها.”