منوعات

الملك طَهْمُورُثَ بن وَيُونْجَهَانَ . الملك الذي جعل إبليس ركوبة له . دكتور / شريف الجندي

كتب دكتور / شريف الجندي

زَعَمَتِ الْفُرْسُ أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ أُوشْهَنْجُ آلَ الْمُلْكُ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى طَهْمُورُثَ بْنِ وَيُونْجَهَانَ، وَقَدْ قَالُوا إِنَّ مَعْنَى اسْمِ وَيُونْجَهَانَ هُوَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ، وَذَكَرُوا أَنَّ طَهْمُورُثَ هُوَ ابْنُ حَبَايِدَادَ بْنِ أُوشْهَنْجَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى قَدْ اخْتَلَفَتْ فِي تَفْصِيلِ نَسَبِهِ وَسِلْسِلَةِ آبَائِهِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى ذِكْرِ أَنْسَابٍ أُخْرَى لَهُ تُخَالِفُ هَذَا الْقَوْلَ.

وَتَذْكُرُ رِوَايَاتُ الْفُرْسِ أَيْضًا أَنَّ طَهْمُورُثَ لَمْ يَكُنْ مَلِكًا عَلَى بِلَادٍ مَحْدُودَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ مَلَكَ الْأَقَالِيمَ السَّبْعَةَ كُلَّهَا، وَهِيَ الْأَقَالِيمُ الَّتِي كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ يَعُدُّونَهَا جُمْلَةَ الْأَرْضِ وَأَقْطَارِهَا. وَقَالُوا إِنَّهُ لَمَّا تَوَلَّى الْمُلْكَ جَعَلَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجًا يَدُلُّ عَلَى سُلْطَانِهِ وَمَلِكِهِ، وَكَانَ فِي سِيَاسَةِ مُلْكِهِ رَجُلًا مَحْمُودَ السِّيرَةِ، عَادِلًا فِي أَحْكَامِهِ، مُشْفِقًا عَلَى رَعِيَّتِهِ، يَنْظُرُ فِي مَصَالِحِهِمْ، وَيَرْعَى أَحْوَالَهُمْ، وَيَسْعَى فِي مَنْفَعَتِهِمْ وَأَمْنِهِمْ.

وَيَقُولُونَ إِنَّهُ هُوَ الَّذِي بَنَى مَدِينَةَ سَابُورَ مِنْ أَرْضِ فَارِسَ، فَعَمَرَهَا وَاتَّخَذَهَا مَنْزِلًا وَمَقَرًّا لَهُ، ثُمَّ لَمْ يَلْزَمْهَا عَلَى الدَّوَامِ، بَلْ كَانَ يَنْتَقِلُ بَيْنَ الْبُلْدَانِ وَالْأَمْصَارِ، يَطُوفُ فِي نَوَاحِي مُلْكِهِ وَيُشْرِفُ عَلَى شُؤُونِهَا وَأَحْوَالِ أَهْلِهَا.

وَتَذْهَبُ بَعْضُ رِوَايَاتِهِمْ إِلَى أَمْرٍ عَجِيبٍ يَذْكُرُونَهُ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ وَثَبَ عَلَى إِبْلِيسَ فَأَخَذَهُ وَرَكِبَهُ، ثُمَّ طَافَ بِهِ فِي أَرْضِ اللَّهِ، فَسَارَ بِهِ فِي أَدَانِي الْأَرْضِ وَأَطْرَافِهَا الْقَرِيبَةِ، وَبَلَغَ بِهِ أَقَاصِيَهَا وَأَبْعَدَ نَوَاحِيهَا، وَأَنَّهُ بِذَلِكَ أَفْزَعَ إِبْلِيسَ وَمَرَدَةَ الشَّيَاطِينِ وَأَتْبَاعَهُمْ، فَتَفَرَّقُوا فِي الْأَرْضِ وَتَبَدَّدُوا مِنْ هَيْبَتِهِ وَسُلْطَانِهِ.

وَيَقُولُونَ إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ الصُّوفَ وَالشَّعَرَ لِلِبَاسِ وَالْفِرَاشِ، فَجَعَلَ مِنْهُمَا مَا يُلْبَسُ لِلْوِقَايَةِ وَالسِّتْرِ، وَمَا يُفْرَشُ لِلرَّاحَةِ وَالنَّوْمِ. وَكَانَ أَيْضًا أَوَّلَ مَنْ جَعَلَ لِلْمُلُوكِ زِينَتَهُمْ وَمَظَاهِرَ هَيْبَتِهِمْ مِنَ الدَّوَابِّ، فَاتَّخَذَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِلرُّكُوبِ وَالزِّينَةِ، وَأَمَرَ النَّاسَ بِاتِّخَاذِ الْكِلَابِ لِحِفْظِ الْمَوَاشِي وَمَا يَمْلِكُونَهُ مِنْ أَنْعَامٍ وَأَمْوَالٍ، فَصَارَتِ الْكِلَابُ تُسْتَعْمَلُ لِلْحِرَاسَةِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمَاشِيَةِ وَالْمَزَارِعِ وَغَيْرِهَا.

وَكَانَ أَيْضًا مِمَّنِ اسْتَعْمَلَ الْجَوَارِحَ مِنَ الطُّيُورِ وَالْحَيَوَانَاتِ فِي الصَّيْدِ، فَأَخَذَ النَّاسُ عَنْهُ طَرِيقَةَ الِاسْتِعَانَةِ بِهَذِهِ الْجَوَارِحِ لِاصْطِيَادِ الْوُحُوشِ وَالطُّيُورِ. وَقَالُوا إِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ كَتَبَ بِاللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ وَاسْتَعْمَلَهَا فِي الْكِتَابَةِ.

وَيُذْكَرُ فِي أَخْبَارِهِمْ أَيْضًا أَنَّ بِيَوْرَاسِبَ ظَهَرَ فِي أَوَّلِ سَنَةٍ مِنْ سِنِيِّ مُلْكِ طَهْمُورُثَ، وَأَخَذَ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى مِلَّةِ الصَّابِئِينَ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي بَدَايَةِ عَهْدِهِ.

وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو جَعْفَرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ هَذِهِ الْأَخْبَارَ، فَقَالُوا إِنَّهُ رَكِبَ إِبْلِيسَ وَطَافَ بِهِ فِي الْأَرْضِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ أَشَارُوا إِلَى أَنَّ الْعُهْدَةَ فِي صِحَّةِ هَذَا الْخَبَرِ عَلَى مَنْ رَوَاهُ وَنَقَلَهُ، وَأَنَّمَا هُمْ يَذْكُرُونَ مَا بَلَغَهُمْ مِنَ الرِّوَايَاتِ دُونَ أَنْ يَجْزِمُوا بِصِحَّتِهِ.

وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ إِنَّ طَهْمُورُثَ يُعَدُّ مِنْ أَوَائِلِ مُلُوكِ الْأَرْضِ الَّذِينَ ظَهَرَ مُلْكُهُمْ فِي بَابِلَ، وَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا مُطِيعًا لِلَّهِ، يَسْلُكُ طَرِيقَ الطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ. وَقَالَ إِنَّ مُدَّةَ مُلْكِهِ بَلَغَتْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَإِنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ اسْتَعْمَلَ الْكِتَابَةَ بِاللُّغَةِ الْفَارِسِيَّةِ.

وَيُذْكَرُ أَيْضًا أَنَّهُ فِي أَيَّامِ مُلْكِ طَهْمُورُثَ بَدَأَ النَّاسُ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ، فَكَانَ ذَلِكَ أَوَّلَ ظُهُورِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ بَيْنَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ. وَفِي مُلْكِهِ أَيْضًا عُرِفَ الصَّوْمُ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَيْنَ النَّاسِ.

وَكَانَ سَبَبُ ظُهُورِ الصَّوْمِ — عَلَى مَا ذُكِرَ — أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ النَّاسِ كَانُوا فُقَرَاءَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ مِنَ الطَّعَامِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَكَانُوا يُمْسِكُونَ عَنِ الطَّعَامِ فِي النَّهَارِ لِعَدَمِ وُجُودِهِ، ثُمَّ يَأْكُلُونَ فِي اللَّيْلِ مَا يَجِدُونَهُ مِمَّا يُقِيمُ أَوْدَهُمْ وَيُمْسِكُ رَمَقَهُمْ. ثُمَّ إِنَّهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ جَعَلُوا هَذَا الْإِمْسَاكَ عَنِ الطَّعَامِ فِي النَّهَارِ نَوْعًا مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ، فَصَارَ الصَّوْمُ عِنْدَهُمْ عِبَادَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا، ثُمَّ جَاءَتِ الشَّرَائِعُ فِيمَا بَعْدُ فَأَقَرَّتْ مَشْرُوعِيَّةَ الصَّوْمِ وَجَعَلَتْهُ عِبَادَةً مَعْرُوفَةً فِي الدِّينِ.

“نحن نسعى جاهدين لأيصال المحتوى النافع فلا تبخل علينا بالتفاعل و مشاركة المنشور على حسابك، فكيف تثمر شجرة أنتم لا تسقونها.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *