دمشق- أصدر الرئيس السوري أحمد الشرع المرسوم رقم 148 لعام 2025، القاضي بتشكيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم ليكون مرجعية وطنية عليا في وضع السياسات التربوية والتعليمية وتنسيق جهود المؤسسات ذات الصلة.
ويضم المجلس في عضويته رئيس الجمهورية أو من ينوب عنه، إلى جانب وزراء التعليم العالي والتربية والأوقاف والثقافة، إضافة إلى رؤساء هيئات استشارية وإحصائية، وخبراء مختصين في مجالي التربية والقانون.
ويهدف المرسوم الرئاسي إلى تحديث المناهج، ودعم الكوادر التعليمية، وربط التعليم بسوق العمل والتحول الرقمي، وتعزيز مكانة الشهادات السورية إقليميا ودوليا.
كما يمنح المجلس صلاحيات واسعة تشمل اقتراح التشريعات، ومراجعة المناهج، وتقييم الأداء، وتوجيه البحث العلمي بما يخدم التنمية المستدامة.
ويرى مراقبون أن المجلس الجديد يمثل إطارا إستراتيجيا لمعالجة التحديات المتراكمة بقطاع التعليم، خاصة في ظل الحاجة لتوحيد المرجعيات، ورفع مستوى مخرجات التعليم، واستعادة ثقة المجتمع بالنظام التعليمي.
تطوير المنظومة
وقال وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو إن المرسوم القاضي بتشكيل المجلس الأعلى للتربية والتعليم يشكل "محطة مفصلية في مسيرة تطوير المنظومة التربوية والتعليمية في البلاد".
وأضاف -في تصريح للجزيرة نت- أن المرسوم "يجسد الإرادة الوطنية في توحيد المرجعيات التربوية والتعليمية، ورسم السياسات العامة بمنهجية علمية متكاملة، ووضع الخطط الإستراتيجية الكفيلة بمواءمة التعليم مع متطلبات الحاضر واستشراف تحديات المستقبل".
وأوضح الوزير السوري أن المجلس "بما يضمه من وزراء مختصين وخبراء في ميادين التربية والتعليم، سيكون الجهة الاستشارية العليا في هذا المجال، بما يعزز التنسيق والتعاون بين الوزارات والمؤسسات التعليمية المعنية".
ومن جانبه، أكد الدكتور خالد الضعيف أستاذ التربية التجريبية والصحة النفسية أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم يمثل نقطة تحول جديدة في النظام التعليمي السوري، لما له من دور في صياغة سياسات مستمدة من خبراء في مجالات التربية وعلم النفس والاجتماع والأخلاق.
إعلان
ويرى الضعيف -في حديثه للجزيرة- أن الهدف من عمل هذا المجلس هو "بناء إنسان متوازن يمتلك مهارات حياتية شاملة، وليس مجرد متعلم أكاديمي".
وشدد على أن الشهادة السورية ينبغي أن تعكس مخرجات تعليمية متينة تُعِد الطالب نفسيا وتربويا وأخلاقيا واجتماعيا وعلميا، بحيث يكون قادرا على مواجهة الحياة بكفاءة. وأضاف أن إنشاء المجلس يمثل خطوة واعدة لإعداد أجيال قادرة على إثبات كفاءتها في شتى مجالات الحياة.
التحول الرقمي
وتناول الدكتور الضعيف قضية التحول الرقمي في التعليم، لافتا إلى أنها تمثل ضرورة ملحة لمواكبة التطورات التكنولوجية، وأوضح أن العملية تحتاج إلى دعم مالي وإداري وتنظيمي نظرا للتكلفة العالية للتعليم الرقمي ومتطلباته الفنية.
وأشار إلى أن من أبرز المتطلبات وضع خطط للبنية الرقمية وتحويل المقررات الدراسية إلى إلكترونية، وتنمية مهنية لأعضاء الهيئة التدريسية عبر تدريبهم على التعامل مع أنظمة التعليم الرقمي، ونشر ثقافة الوعي التكنولوجي بين الطلاب، بالإضافة إلى إنشاء منصات تعليمية شاملة لجميع المراحل الدراسية مؤكدا أن التحول الرقمي استثمار في الفكر وتغيير بالسلوك.
تحديات أمام المجلس
فيما يتصل بالتحديات، شدد الدكتور الضعيف على أن توحيد السياسات التعليمية بين مختلف المؤسسات ذات الصلة -كوزارة التربية والتعليم العالي ووزارة الأوقاف- يمثل إحدى أبرز العقبات أمام عمل المجلس.
وأكد على ضرورة تطوير المناهج لتستوعب الأبعاد النفسية والإنسانية والاجتماعية، وألا تقتصر على التلقين والحفظ، مع مراعاة الخصائص العمرية للطلاب.
ومن جانبه، أوضح الكاتب والباحث السوري باسل معراوي -في حديثه للجزيرة نت- أن المرحلة المقبلة ستكون مغايرة جذريا، معتبرا أن القيادة الجديدة تدرك أن التعليم يمثل السلاح الأهم لبناء مجتمع مدني متماسك ومؤسسات قوية.
وأشار معراوي إلى أن سوريا عانت طويلا من هشاشة الهوية الوطنية الجامعة لصالح الانتماءات الطائفية والإثنية والجهوية، وأن غياب نظام تعليمي وطني حديث كان من أبرز أسباب استمرار هذه الانقسامات.
ورأى أن المطلوب اليوم هو نظام قادر على صهر التنوع السوري في هوية وطنية جامعة من دون إلغائه، بل بتحويله إلى مصدر قوة للتلاحم الاجتماعي.
واعتبر الباحث أن التحول نحو دولة حديثة يقتضي توطين العلوم والتقنيات، وتأهيل العمالة غير المدربة ودمجها في القطاعات الإنتاجية لتتحول إلى قوة مجتمعية فاعلة.
كما لفت إلى أن من مهام المجلس البارزة تعزيز مكانة الشهادات السورية، ومذكرا بأن قطاع الطب السوري لا يزال يحظى بسمعة رفيعة، وأن آلاف الأطباء والصيادلة السوريين يعملون في ألمانيا وحدها.
وأكد أن السوريين المتخرجين من جامعات الخارج يشكلون رافعة حقيقية يمكن الاستفادة منها لإعادة الاعتبار للشهادة الوطنية.
فرصة لزرع الثقة
وبخصوص البعد القيمي والاجتماعي، اعتبر الدكتور قتيبة الفرحات أستاذ الشريعة واللغة العربية أن المجلس الأعلى للتربية والتعليم يواجه مسؤولية كبرى في إعادة الناشئة إلى الطريق الصحيح.
إعلان
وشدد -في حديثه للجزيرة نت- على ضرورة تحديث المناهج لتواكب الطفرة العلمية المعاصرة، مع إعطاء الأولوية لبناء شخصية الطالب القادر على خدمة مجتمعه.
وأكد الفرحات أهمية دمج الجانب النظري بالعملي في الجامعات، موضحا أن ربط الطالب بسوق العمل يبدأ من داخل الحرم الجامعي عبر نشاطات تطبيقية مختلفة.
واقترح إنشاء مكاتب متابعة جامعية تضع خططا تشغيلية تغطي مختلف التخصصات، إلى جانب تكثيف الدعم التقني لمعالجة الفجوة بين الريف والمدن، كما دعا إلى تأسيس مراكز ثقافية ومنصات تعليمية تستهدف الأرياف بشكل خاص.
وختم بالقول إن المجلس يمتلك فرصة لإعادة زرع الثقة في المجتمع السوري الذي يعاني من اضطراب تعليمي، وذلك عبر ضبط العملية التربوية، وإنهاء الفوضى والفساد، وإصدار قوانين تنظم الحقوق والواجبات التعليمية بما يضمن استقرار المنظومة التعليمية وفاعليتها.
0 تعليق