في تمام الساعة 8:30 من صباح يوم الجمعة 21 يوليو/تموز 1967، وبعد تناول إفطار سريع مع زوجته، انطلق الزعيم ألبرت لوثولي من منزله في غراوتفيل، على بعد حوالي 70 كلم من ديربان في مقاطعة كوازولو ناتال بجنوب أفريقيا، في روتينه اليومي المعتاد.
كان زعيم المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) البالغ من العمر 69 عامًا والحائز على جائزة نوبل للسلام قبل ذلك بسنوات "يسير 3 كلم ليفتح متجر العائلة العام في نونهليفو، ثم يتوجه إلى حقوله الثلاثة من قصب السكر، ويعود ليغلق المتجر قبل أن يرجع إلى المنزل"، حسبما قالت زوجة ابنه، فيلهيلمينا ماي لوثولي، البالغة من العمر الآن 77 عامًا، في تحقيق جديد حول وفاته أمام محكمة بيترماريتسبورغ العليا في مايو/أيار الماضي. وقد أعاد وزير العدل الحالي فتح التحقيقات في العديد من الوفيات المشبوهة في عهد الفصل العنصري (الأبارتايد).
وصل لوثولي إلى المتجر بحلول الساعة 9:30 صباحًا، وانطلق مرة أخرى لتفقد حقول قصب السكر بعد حوالي نصف ساعة.
هذا القدر من المعلومات ليس محل خلاف.
الشاهد الوحيد
أخبر سائق القطار ستيفانوس لاتيغان في تحقيق عام 1967 حول وفاة لوثولي؛ أنه في الساعة 10:36 صباحًا، بينما كان قطاره البالغ وزنه 760 طنًا يقترب من جسر نهر أومفوتي، لاحظ أحدَ المشاة يسير عبر الجسر وأطلق صافرته.. "لم يبدُ أن البانتو (المصطلح الرسمي والمهين للسود في ذلك الوقت) قد أبدى أي اهتمام على الإطلاق.. لقد سار حوالي.. 15 أو 16 خطوة عندما بدأت قاطرتي تتجاوزه.. لم يحاول الاقتراب من الجانب أو إدارة جسده جانبيًا".
ورغم أن الجسر لم يكن مصممًا لحركة المشاة، فإن لوثولي وبقية أفراد عائلته كانوا يعبرونه كثيرًا. أوضح ابنه، إدغار سيبوسيسو لوثولي، أنه عند استخدام الجسر، كان والده "حذرًا للغاية.. عندما يصل القطار، كان يقف، ولا يمشي حتى، ويمسك بالدرابزين بإحكام.. كانت المساحة كبيرة بما يكفي ليمر القطار بجانبك على الجسر".
إعلان
ولكن، بحسب لاتيغان، لم يفعل لوثولي شيئًا من هذا القبيل في ذلك الصباح.. أخبر سائق القطار في التحقيق أنه بينما أفلتت مقدمة القطار من لوثولي بصعوبة، "ضربته زاوية الكابينة على كتفه الأيمن، وهذا تسبب في دورانه ورأيته يفقد توازنه ويسقط بين الجانب الأيمن من الجسر وبين القطار المتحرك".
كان لاتيغان الشاهد الوحيد على الاصطدام. ووفقًا لشهادته، عندما أدرك أنه صدم لوثولي، أوقف القطار بأسرع ما يمكن.
كان لوثولي لا يزال يتنفس، ولكنه كان فاقدا للوعي وينزف من فمه عندما قال لاتيغان إنه وصل إليه.. طلب من مشرف المحطة ومديرها استدعاء سيارة إسعاف، والتي نقلت لوثولي إلى أقرب مستشفى "للبانتو".
![Albert Luthuli, then leader of South Africa’s African National Congress (ANC), bows before King Olav V of Norway on December 10, 1961, after receiving the 1960 Nobel Peace Prize at the University of Oslo [AFP]](https://zageel.com/content/uploads/2025/08/30/c0e15dfa12.jpg)
بعد 58 عامًا -ما يقرب من عمر آخر بالنسبة للوثولي- فُتح تحقيق جديد في وقت سابق من هذا العام.. ألقى الخبراء الذين أدلوا بشهاداتهم بظلال من الشك على رواية لاتيغان للأحداث.
كان محلل مسرح الجريمة في الشرطة، بريندن بورغيس، جزءًا من فريق استخدم أدلة من التحقيق الأول لإعادة بناء مسرح الحادث.
شهد بورغيس قائلاً: "إن إمكانية حدوث سيناريو الحادث كما وصفه السيد لاتيغان غير مرجحة إلى حد كبير، مع الأخذ في الاعتبار مسافة التوقف المطلوبة لإيقاف القاطرة، حيث توقفت في مكان الحادث.. كان يجب تطبيق مكابح القطار على بعد 170م على الأقل قبل مدخل الجانب الشمالي من الجسر.. إن احتمال أن تكون نقطة الاصطدام على الجانب الجنوبي من الجسر غير مرجحة إلى حد كبير".
في الواقع، يقول الخبراء إنه من المرجح أن لوثولي لم يكن يسير على طول الجسر إطلاقا.
ذهب خبير القطارات البخارية ليزلي تشارلز لابوشاني إلى أبعد من ذلك، إذ حسب تقديره "تم الاعتداء على لوثولي ونُقل جسده إلى مسار سكة حديد ليبدو وكأنه صدمه قطار"، وفقًا لمقال نشرته صحيفة "بيزنس داي" حول شهادته في مايو/أيار.
مستشهدًا "بفجوات تتعلق بوصف الصدمة من حيث الحجم وكذلك توصيف الإصابات"، أخبر أخصائي علم الأمراض الشرعي الدكتور سيبوسيسو نتسيلي في تحقيق عام 2025 أن تقرير تشريح جثة لوثولي كان "أقل من المستوى المطلوب على أقل تقدير". واختتم نتسيلي شهادته قائلاً: "ليس لديّ ما يكفي لأقول إنه صُدم بقطار.. ما لديّ يشير إلى أنه من المحتمل أنه تعرض للاعتداء".
تم تأجيل التحقيق حتى أكتوبر/تشرين الأول، عندما سيصدر القاضي قونديني راديبي حكمه بشأن سبب وفاة لوثولي.
![Sydney Kentridge, one of the defence lawyers at the Treason Trial, which accused 156 people, including Nelson Mandela, of treason, and lasted from 1956 to 1961, speaks to a special branch man and Chief Luthuli outside the Old Synagogue in South Africa [Sunday Times/Gallo Images/Getty Images]](https://zageel.com/content/uploads/2025/08/30/a038785c66.jpg)
"بهدوء، كمعلم"
لا يوجد سجل رسمي لميلاده، ولكن من المعروف أن ألبرت جون مفومبي لوثولي ولد في وقت ما من عام 1898 في بولاوايو، روديسيا (زيمبابوي حاليًا)، حيث عمل والده مترجمًا للمنصّرين من الكنيسة الأبرشانية في أميركا. وهذا غرس في لوثولي إيمانًا عميقًا ودائمًا، ووفقًا للكاتبة نادين غورديمير، طريقة في التحدث "بلكنة أميركية واضحة".
إعلان
عندما كان مفومبي (اسمه المفضل، الذي يعني "المطر المستمر") يبلغ من العمر حوالي 10 سنوات، عادت عائلته إلى جنوب أفريقيا وأُرسل للعيش مع عمه، زعيم غراوتفيل، حتى يتمكن من الالتحاق بالمدرسة.
بحلول عام 1914، كان لوثولي يبلغ من العمر 16 عامًا، وقد تقدم بقدر ما يستطيع في المدرسة الصغيرة في غراوتفيل.. قضى عامًا في معهد أوهلانج، أول مدرسة ثانوية في جنوب أفريقيا أسسها وأدارها شخص أسود يُدعى جون دوبي، أول رئيس للمؤتمر الوطني الأفريقي. تبع ذلك عدة سنوات في إيدنديل، وهي مدرسة إرسالية ميثودية، حيث تلقى لوثولي -لأول مرة- تعليمه على أيدي معلمين بيض. في سيرته الذاتية، فند لوثولي الاتهام بأن المدارس الإرسالية أنتجت "إنجليزًا سودًا". وبدلاً من ذلك، جادل قائلاً: "التقت ثقافتان، وتأثر كل من الأفارقة والأوروبيين باللقاء.. استفاد كلاهما وخرج كلاهما غنيًا".
بعد تخرجه من إيدنديل بشهادة تدريس، قبل منصب مدير (والموظف الوحيد) لمدرسة متوسطة صغيرة مخصصة للسود فقط في موقع بلاوبوش النائي، حيث تعمق إيمانه المسيحي تحت إشراف قس محلي.
أكسبه أداء لوثولي في بلاوبوش منحة دراسية في كلية آدامز، أحد أهم مراكز تعليم السود في جنوب أفريقيا، جنوب ديربان مباشرة.
وصل لوثولي إلى آدامز بدون طموحات سياسية: "لقد اعتبرت أنه من المسلّم به أنني سأقضي أيامي بهدوء، كمعلم".. كتب ذلك في سيرته الذاتية "دع شعبي يذهب". لكن تأثير زد كي ماثيوز (مدير المدرسة الثانوية في آدامز، الذي سيصبح فيما بعد قائدًا مؤثرًا في المؤتمر الوطني الأفريقي وأكاديميًا) وبعض المعلمين الآخرين، فتح عينيه تدريجيًا على عالم سياسي من المقاومة.
بقي لوثولي في كلية آدامز 15 عامًا.. فقط في عام 1935 استسلم لضغوط أهالي غراوتفيل، الذين أرادوه أن يعود إلى دياره ليتولى الزعامة (كان عمه قد "طُرد" من قبل الحكومة البيضاء).
أن يصبح زعيمًا -وهو منصب براتب، مما يعني أنه يمكن طرده من قبل نظام الفصل العنصري إذا تجاوز الحدود- كان يعني قبول تخفيض كبير في الراتب، لكن لوثولي رأى في ذلك دعوة. إن تلبية احتياجات 5 آلاف من شعب الزولو في محمية أومفوتي الإرسالية، التي أسسها القس الأميركي ألدين غراوت من الكنيسة الأبرشانية عام 1844، فتحت عينيه على حقيقة الحياة في جنوب أفريقيا: "الآن رأيت -كما لو كان للمرة الأولى- الفقر المدقع لشعبي، والأذى اليومي الذي يلحق بالبشر".
كما أوضح الزعيم في سيرته الذاتية: "في غراوتفيل، كما في جميع أنحاء البلاد، الجزء الكبير من المشكلة هو الأرض،13% من الأرض لنحو 70% من الناس، ودائمًا ما تكون أرضًا رديئة.. عندما أصبحتُ زعيمًا، واجهت كما لم يحدث من قبل فقر ربة المنزل، وتحطيم الأسر بسبب الضغوط الاقتصادية، وعجز طريقة الحياة القديمة عن مواجهة الهجوم المعاصر".
![Dr Albertina Luthuli, eldest daughter of Albert Luthuli, talks to Kerry Kennedy outside Luthuli’s house in Groutville on May 31, 2016 in KwaZulu-Natal while commemorating the 50th anniversary of the meeting of Robert Kennedy and Luthuli at the house [Jackie Clausen/The Times/Gallo Images/Getty Images]](https://zageel.com/content/uploads/2025/08/30/828b8df532.jpg)
الدعوة إلى النضال
دخل لوثولي السياسة الرسمية في وقت متأخر نسبيًا من حياته مقارنة بالآخرين، حيث انضم إلى المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1944 وهو في سن 46، قبل أربع سنوات من بدء الفصل العنصري رسميًا. انضم نيلسون مانديلا، الذي يصغره بنحو 20 عامًا، في نفس العام. وصل الرجلان في وقت كان الحزب فيه بحاجة ماسة إلى دماء جديدة. كان يُنظر إلى الجيل الأكبر من القادة السود على أنهم مهذبون للغاية ويقبلون الوضع الراهن بحيث لا يستطيعون محاربة حكومة الأقلية البيضاء القمعية بشكل متزايد، مع تشريعاتها التقييدية المتزايدة بسرعة والتي تحكم حياة السود.
إعلان
ولكن بينما هز مانديلا وعدد قليل من معاصريه الحوار الوطني بأسلوب أكثر جرأة ومواجهة، جلب لوثولي علامة تجارية أكثر اعتدالًا من القيادة إلى فرع ناتال للمؤتمر الوطني الأفريقي. تم انتخابه عضوا في الهيئة التنفيذية الإقليمية بعد أقل من عام من انضمامه إلى الحزب، ورئيسًا لفرع ناتال عام 1951.
صعد لوثولي إلى الصدارة الوطنية كمتطوع رئيسي في حملة التحدي عام 1952، والتي شهدت آلاف الأشخاص في جميع أنحاء البلاد يُعرّضون أنفسهم للاعتقال لخرقهم قوانين الفصل العنصري من خلال القيام بأشياء مثل الجلوس على مقاعد مخصصة للبيض، والسفر في حافلات مخصصة للبيض.
"تم تجريده على النحو الواجب من منصبه كزعيم من قبل حكومة الفصل العنصري، قبل انتخابه رئيسًا للمؤتمر الوطني الأفريقي بدعم من أصوات الشباب في ديسمبر/كانون الأول من ذلك العام"، يوضح البروفيسور ثولا سيمبسون من جامعة بريتوريا، أحد أبرز مؤرخي المؤتمر الوطني الأفريقي. "كان يُنظر إلى لوثولي على أنه جسر بين الكبار والصغار، لكنه وموسى كوتاني (الأمين العام للحزب الشيوعي الجنوب أفريقي لمدة 39 عامًا) أصبحا الحرس القديم عندما بدأ مانديلا ورفاقه في التحريض على العنف".
![Senator Robert F Kennedy talks with Nobel Peace Prize winner Albert Luthuli during a visit to Luthuli’s home in South Africa in 1966. Kennedy later called Luthuli ‘one of the most impressive men I have met’ [Getty Images]](https://zageel.com/content/uploads/2025/08/30/de4327b95b.jpg)
موقف لوثولي ضد العنف
دعا مانديلا علنًا لأول مرة إلى المقاومة العنيفة في يونيو/حزيران 1953، قائلًا لحشد في صوفيا تاون، كما كتب في سيرته الذاتية، إن "العنف هو السلاح الوحيد الذي سيدمر الفصل العنصري، ويجب أن نكون مستعدين، في المستقبل القريب، لاستخدام هذا السلاح". لم يتوافق هذا مع نهج لوثولي.
في سيرته الذاتية، مسيرة طويلة نحو الحرية، كتب مانديلا عن تعرضه "لتوبيخ شديد" من قبل لوثولي واللجنة التنفيذية الوطنية للمؤتمر الوطني الأفريقي، "لدعوته إلى مثل هذا الابتعاد الجذري عن السياسة المقبولة (عدم التسامح مع العنف أبدًا).. مثل هذه الخطب يمكن أن تثير العدو لسحق المنظمة بالكامل بينما العدو قوي ونحن لا نزال ضعفاء. قبلت اللوم، وبعد ذلك دافعت بأمانة عن سياسة اللاعنف علنًا. لكن في قلبي، كنت أعلم أن اللاعنف ليس هو الحل".
كان لوثولي في الواقع في المحكمة، يدلي بشهادته حول التزام المؤتمر الوطني الأفريقي بالنضال اللاعنفي يوم 21 مارس/آذار 1960، عندما فتح ضباط شرطة بيض النار على حشد من المتظاهرين السود السلميين في شاربفيل، مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 91 شخصًا. بعد شاربفيل، علت الدعوات إلى الاحتجاج العنيف داخل المؤتمر الوطني الأفريقي. ورغم معارضة لوثولي، مُنح مانديلا في يونيو/حزيران 1961، الإذن بإنشاء "أومخونتو وي سيزوي" (رمح الأمة)، الجناح العسكري للحزب.
يقول سيمبسون إن الوثيقة التأسيسية لهذا الجناح العسكري هي "أغرب إعلان حرب في تاريخ التمرد"، مع تركيزها على تخريب البنية التحتية الحكومية وتجنب الخسائر في الأرواح بأي ثمن.
كان عام 1961 أيضًا هو العام الذي أصبح فيه لوثولي أول أفريقي يحصل على جائزة نوبل للسلام. يقول سيمبسون: "أشار بيان اللجنة إلى أنه دافع باستمرار عن اللاعنف. لكن المفارقة هي أنه كان على علم بأن حركته قد التزمت بتشكيل فرقة تخريب، حتى لو كان قد وافق شخصيًا على القرار دون حماس".
في البداية، منعت حكومة الفصل العنصري لوثولي من السفر إلى أوسلو لتسلّم الجائزة، لكنها رضخت في النهاية بشرط: لا يمكنه الإشارة صراحة إلى سياسة جنوب أفريقيا خلال خطابه. التزم بهذا القيد (لم يقل كلمة "أبارتاهيد")، لكنه أدلى ببيان واضح من خلال ارتداء الزي التقليدي للزولو.
بمحض الصدفة، شهد طريق عودة لوثولي من أوسلو إلى ديربان في 15 ديسمبر/كانون الأول نفس المساء الذي بدأت فيه "أومخونتو وي سيزوي" عملياتها.
ورغم خلافاتهما، يقول سيمبسون: "أحبَّ مانديلا لوثولي واحترمه وشعر بالحاجة إلى التشاور معه.. أراد مانديلا موافقة الرجل الأكبر سنًا وتفويضه ومباركته".
أدت هذه العلاقة الوثيقة إلى اعتقال مانديلا وسجنه لمدة 27 عامًا. ففي 1961، بعد حظر المؤتمر الوطني الأفريقي، اختفى مانديلا. الملقب "بيمبرنيل الأسود"، كان المطلوب الأول في البلاد. في أغسطس/آب 1962، متنكرًا في زي سائق الكاتب المسرحي والناشط الأبيض سيسيل ويليامز، قاد مانديلا سيارته إلى غراوتفيل لإطلاع لوثولي على رحلة تدريب عسكري قام بها إلى دول أفريقية أخرى. كان أحد الأشخاص الذين التقى بهم مانديلا في تلك الرحلة مخبرًا للشرطة، وفي طريق عودتهما إلى جوهانسبرغ، تعرض مانديلا وويليامز لكمين من قبل الشرطة. تذكر مانديلا لاحقًا: "علمت في تلك اللحظة أن حياتي كهارب قد انتهت".
![Nobel Square in Cape Town, South Africa, with the four statues commemorating, in order from left – the late Chief Albert Luthuli, Archbishop Desmond Tutu and former presidents FW de Klerk and Nelson Mandela [Getty Images]](https://zageel.com/content/uploads/2025/08/30/447f814794.jpg)
إعادة كتابة التاريخ
توفي العديد من قادة مناهضة الفصل العنصري في ظروف مشبوهة على مدى 46 عامًا من بقاء نظام الفصل العنصري. ولعل أشهر هؤلاء كان ستيف بيكو، الذي توفي عقب تعذيب الشرطة له عام 1977. التحقيق الرسمي في وفاة بيكو برّأ الشرطة، وخلص إلى أنه لا يمكن أن يكون قد مات "بأي فعل أو إغفال ينطوي على جريمة من قبل أي شخص". ورغم الاحتجاج المحلي والدولي، لم تظهر الحقيقة إلا في لجنة الحقيقة والمصالحة (TRC) عام 1999، بعد انتهاء الفصل العنصري. برئاسة ديزموند توتو (الحائز هو الآخر على جائزة نوبل للسلام)، عقدت اللجنة أكثر من 2500 جلسة استماع بين عامي 1996 و 2002.
إعلان
بشكل مثير للجدل، كان لدى لجنة الحقيقة والمصالحة سلطة منح عفو كامل عن الجرائم ذات الدوافع السياسية، بشرط أن يقدم الجناة اعترافات صادقة وكاملة. وفي جلسات الاستماع، اعترف أربعة من رجال الشرطة بقتل بيكو، لكن القائد غيديون نيوفودت، حُرم من العفو على أساس أنه لم يثبت أن جريمته كانت ذات دافع سياسي. أُدين نيوفودت لدوره في مقتل "رباعي ماذرويل" -أربعة من رجال الشرطة السود كانوا يسرّبون معلومات إلى المؤتمر الوطني الأفريقي وقُتلوا في انفجار سيارة مفخخة زرعتها السلطات- لكنه توفي عام 2005 قبل صدور الحكم عليه.
منذ اختتام لجنة الحقيقة والمصالحة، كانت هناك تحقيقات أخرى في وفيات غامضة، وأبرزها تحقيق عام 2017 في وفاة أحمد تيمول عام 1971. وفقًا لتقارير الشرطة في ذلك الوقت، قفز تيمول من الطابق العاشر لمركز شرطة جوهانسبرغ المركزي بعدما تملّكه الخجل من الكشف عن معلومات حساسة حول زملائه أثناء الاستجواب. قضى تحقيق عام 1972 بأنه مات منتحرًا. حكم القاضي جي إل دي فيليرز "بقبول أي شيء آخر غير أن المتوفى قفز من النافذة وسقط على الأرض.. لا يمكن رؤية هذا الإدعاء إلا باعتباره سخيف. ورغم استجوابه لساعات طويلة، فقد عومل بطريقة متحضرة وإنسانية".
ألقت وفاة تيمول الضوء على العديد (73 في المجموع) من الوفيات الغامضة للناشطين في حجز الشرطة خلال فترة الفصل العنصري. كانت هذه مصدر إلهام لقصيدة كريس فان ويك الساخرة بعنوان "في الحجز":
سقط من الطابق التاسع
شنق نفسه
انزلق على قطعة صابون أثناء الاغتسال
شنق نفسه
انزلق على قطعة صابون أثناء الاغتسال
سقط من الطابق التاسع
شنق نفسه أثناء الاغتسال
انزلق من الطابق التاسع
علق من الطابق التاسع
انزلق على الطابق التاسع أثناء الاغتسال
سقط من قطعة صابون أثناء الانزلاق
علق من الطابق التاسع
اغتسل من الطابق التاسع أثناء الانزلاق
علق من قطعة صابون أثناء الاغتسال.
وجدت لجنة الحقيقة والمصالحة أن هناك "احتمالًا قويًا بأن بعض هؤلاء المحتجزين على الأقل الذين زُعم أنهم انتحروا بالقفز من النافذة؛ إما أُسقطوا عرضًا أو أُلقوا". لم يكن هذا كافيًا لعائلة تيمول، ومع ذلك نجحوا عام 2017 في إعادة فتح تحقيق عام 1972.
في 12 أكتوبر/تشرين الأول 2017، وضع القاضي بيلي موثل سابقة تاريخية بإلغاء نتائج التحقيق الأول. حكم موثل بأن "وفاة تيمول نتجت عن فعل دفعه من الطابق العاشر أو سطح" المبنى، وأن هناك قضية قتل ظاهرة الوجاهة ضد الشرطيين اللذين استجوبا تيمول في اليوم الذي دُفع فيه إلى حتفه. كان الشرطيان المعنيان قد توفيا بالفعل، لكن ثالثًا وهو جواو رودريغيز اتُهم كشريك في القتل. توفي رودريغيز قبل محاكمته.
![African National Congress (ANC) President Cyril Ramaphosa lays a wreath at the gravesite of former ANC president, Chief Albert Luthuli, on December 8, 2017 in Groutville, South Africa [Thuli Dlamini/Sowetan/Gallo Images/Getty Images]](https://zageel.com/content/uploads/2025/08/30/a7a5b972a0.jpg)
البحث عن دافع
تأمل عائلة لوثولي الحصول على تبرئة مماثلة عندما يصل التحقيق في وفاته إلى نهايته في أكتوبر/تشرين الأول من هذا العام. ولكن، بالنظر إلى القضية بموضوعية، يجد البروفيسور سيمبسون صعوبة في العثور على دافع للقتل. كان لوثولي الزعيمَ الرسمي للمؤتمر الوطني الأفريقي وقت وفاته عام 1967، إلا أن مزيجًا من اعتلال الصحة وأوامر الحظر الحكومية ومعارضته للعنف قد جعلته شخصية رمزية إلى حدٍ ما، دون نفوذ سياسي كبير بحلول منتصف الستينيات.
يقول سيمبسون: "لا يوجد دافع واضح لقتله.. لقد توقف عن كونه تهديدًا للنظام. إذا كان هناك أي شيء، فقد كانت جنازته فرصة للاحتجاج". بالطبع، يضيف سيمبسون، "لو كانت هناك مؤامرة، لما وجدها تحقيق عام 1967 أبدًا. وحتى لو كانت وفاة لوثولي عرضية، فهناك الكثير من الأسباب للشك في رواية حكومة الفصل العنصري".
في عام 2025، كان وزير العدل رونالد لامولا في مهمة لكشف تستّر عهد الفصل العنصري. في نفس اليوم الذي أُعيد فيه فتح تحقيق لوثولي، أعلن عن خطط لإعادة فتح التحقيقات في وفاة ملونجيسي غريفيثس مكسينغ عام 1981 (محامي حقوق مدنية طُعن 45 مرة من قبل "فرقة موت" تابعة للشرطة)، وبوي مانتيي الذي أُطلق عليه الرصاص حتى الموت بزعم إلقاء الحجارة على الشرطة عام 1985. في الشهر الماضي، أُعيد فتح التحقيق في مقتل "رباعي كرادوك" عام 1985.
الآن، مات معظم مرتكبي جرائم عهد الفصل العنصري الآن (أو صاروا كبارا في السن)، ومع ذلك يواصل لامولا المضي قدمًا. قال: "بهذه التحقيقات، نفتح جراحًا حقيقية جدًا يصعب فتحها بعد 30 عامًا من ديمقراطيتنا. ولكن مع ذلك، لا يمكن أبدًا أن تُقيّد مصلحة العدالة بالزمن.. يجب أن تسود الحقيقة".
يُعد الكشف عن الحقيقة مهمًا بشكل خاص لعائلة لوثولي. قال سانديل لوثولي، حفيد الزعيم والرئيس التنفيذي لهيئة تنظيم الإسكان الاجتماعي: "إنها لحظة مثيرة للغاية بالنسبة لنا". الآن في أوائل الخمسينيات من عمره، لا يملك سانديل ذكريات عن جده، لكنه يتحدث عن كون لوثولي متدينًا بعمق: "كان يقود الصلوات الكنسية بنفسه". كما يسلط الضوء على الدور الذي لعبته زوجة لوثولي، نوكوخانيا، في "الحفاظ على دفء المنزل".
يعترف سانديل "ببعض القلق" من نتيجة التحقيق، إلا أنه واثق من أنه سيضع الأمور في نصابها الصحيح أخيرًا. "هذه هي اللحظة التي كنا ننتظرها كعائلة.. لتقشير طبقاه اغتياله المفاجئ على أيدي حكومة الفصل العنصري".
ذكّر التحقيق الأمة في جنوب أفريقيا والعالم كله بإرث لوثولي المذهل. كما كتب مارتن لوثر كينغ جونيور في رسالة إلى لوثولي عام 1959: "لقد وقفت وسط الاضطهاد والإساءة والظلم بكرامة وهدوء روح نادرًا ما يضاهَى في تاريخ البشرية.. يومًا ما ستفخر أفريقيا كلها بإنجازاتك".
0 تعليق