Published On 31/8/202531/8/2025
|آخر تحديث: 18:48 (توقيت مكة)آخر تحديث: 18:48 (توقيت مكة)
عندما اجتاحت مياه الفيضانات القادمة من الحدود الهندية قريتها في شرق باكستان هذا الشهر، عرفت شاما ما يجب فعله، جمعت أطفالها الأربعة واستعدت للمغادرة. كانت هذه هي المرة الثانية هذا العام التي تضطر فيها للفرار، بعد أن هجرت منزلها خلال جولة الحرب بين الدولتين في مايو/أيار.
كم مرةً علينا الإخلاء الآن؟ قالت الأم البالغة من العمر 30 عاما، بينما كان زوجها ينقل أبقارهم الـ10 إلى أرضٍ مرتفعة على متن قارب، وتضيف "لقد خسرنا الكثير خلال الحرب، مثل أيام الدراسة للأطفال، والآن تُجبرنا المياه على النزوح مجددا. المتاعب لا تنتهي".
تتردد أصداء محنة شاما في مختلف أنحاء مدينة كاسور التي ضربتها الفيضانات، إذ تقول الأسر إنها منهكة بسبب النزوح المتكرر خلال أشهر، أولا بسبب القتال، والآن بسبب الطبيعة.
وقالت بيبي زبيدة، وهي أم تبلغ من العمر 27 عاما وتعيش مع 7 من أقاربها في منزل مكون من 3 غرف نوم مقابل مسجد يبث الآن نداءات الإخلاء: "بدأت الفيضانات في وقت سابق من هذا الشهر وازدادت سوءا".
ومن مكبرات الصوت في المساجد، المخصصة لآذان الصلاة، جاءت رسالة مختلفة: القوارب جاهزة لاستقبال أي شخص يريد المغادرة. "عندما تعيش هنا، تختار العيش في ظل تهديد الحرب وخطر الفيضانات. أين يذهب المرء؟" تقول زبيدة.
تقع كاسور على بُعد بضعة كيلومترات فقط من الحدود الهندية. ومن أسطح منازلهم وقوارب الإنقاذ، قال السكان إنهم رأوا نقاط تفتيش هندية في الأفق، وهذا يُذكر بمدى ارتباط مصيرهم بقرارات تُتخذ على الجانب الآخر.

بين الحرب والطبيعة
تشترك الدولتان في أنهارٍ كانت خاضعةً لرقابة لأكثر من 6 عقود بموجب معاهدة مياه نهر السند. وعلّقت الهند هذه الاتفاقية في وقت سابق من هذا العام، عقب إطلاق النار على 26 شخصا على يد مسلحين قالت نيودلهي إنهم مدعومون من إسلام آباد، وهو ما تنفيه باكستان.
إعلان
وقد أدى هذا الهجوم إلى اندلاع معارك حدودية قصيرة ولكن مكثفة بين الجارتين المسلحتين نوويا، وهذا دفع قرويين مثل شاما إلى النزوح من منازلهم. ثم جاء موسم الرياح الموسمية، وتحولت الأنهار إلى فيضان فغادروا منازلهم مضطرين.
وعلى متن قوارب خشبية ضيقة، كانت الأسر توازن بين الدراجات النارية، والممتلكات، والماعز إلى جانب أطفالها، بينما كان رجال الإنقاذ يقودونهم عبر الحقول التي تحولت الآن إلى أنهار.
وقال محمد أرسلان أحد رجال الإنقاذ إن العديد من القرويين ترددوا في الإخلاء. ونقل أرسلان أكثر من 1500 شخص إلى الأمان بالقوارب في الأيام الأخيرة، ويقول: "لا يرغب الناس دائما في المغادرة خوفا من أن يسرقوا ما يتركونه وراءهم، إنهم مترددون لأنهم فعلوا ذلك مرات عديدة بالفعل".
وأضاف وهو يتوقف لإزالة الأوراق العالقة في المحرك قبل أن يستأنف الرحلة مرة أخرى: "إنهم يحبون الماعز والأغنام، وأحيانا يرفضون المغادرة من دونها".
وأعلنت هيئة إدارة الكوارث في إقليم البنجاب أن منسوب مياه نهر سوتليج في منطقة غاندا سينغ والا، بلغ أعلى مستوياته منذ عقود، بعد تصدع في سد هندي.
وأُبلغ حتى الآن عن 28 حالة وفاة على الأقل، مع تدفق المياه جنوبا عبر البنجاب وتهديدها مناطق جديدة، وفي الهند، أدت عواصف رعدية في منطقتي رامبان وماهور في جامو وكشمير إلى مقتل 10 أشخاص.

مأزق الحدود
وقال مسؤولون باكستانيون إن الأزمة تفاقمت بقرار الهند تعليق معاهدة مياه نهر السند، وهذا أوقف تبادل بيانات الأنهار الذي استمر عقودا. كما اتهمت إسلام آباد الهند بإطلاق كميات كبيرة من المياه من دون سابق إنذار.
وقال وزير التخطيط الباكستاني أحسن إقبال لرويترز يوم الجمعة "لو كانت المعاهدة سارية لكان بوسعنا التعامل مع التأثير بشكل أفضل".
من جهتها، نفت الهند تعمد إغراق باكستان، وألقت باللوم على الأمطار الموسمية المتواصلة، وقالت إنها أصدرت تحذيرات متعددة من الفيضانات.
وصرح مسؤولون هنود بأن بوابتين من سد مادهوبور على نهر رافي تضررتا بسبب ارتفاع منسوب المياه.
وفي باكستان، يؤكد المزارعون أن الفيضان دمر سبل عيشهم. وقال محمد أمجد، مزارع أرز وخضراوات: "لقد ضاع 13 فدانا من أصل 15 (6 هكتارات) من أرضي"، مضيفا أنه "يتم إجلاء معظم النساء والأطفال. ويبقى الرجال لحراسة ما تبقى".
وقد أبرزت عمليات النزوح المتتالية في المنطقة مدى ضعف المجتمعات الموجودة على طول الحدود الشرقية المضطربة في باكستان.
وحذر المسؤولون من أن الأزمة قد تتفاقم مع تكثيف تغير المناخ والرياح الموسمية والنزاعات على الأنهار الحدودية التي تؤثر على التخطيط للكوارث.
ويتذكر نواب الدين، وهو مالك أرض يبلغ من العمر 74 عاما، الفيضانات الأكثر خطورة التي شهدها في حياته أعوام 1988، و2023 و2025، ويقول: "لقد رأيت العديد من الفيضانات، ولكنها أصبحت تأتي بشكل متكرر الآن".
من جهتها تقول زبيدة، التي غمرت المياه منزلها وأرضها الزراعية التي استصلحتها حديثا: "لا نريد حربا، ولا نريد فائضا من المياه. نريد فقط أن نعيش".
إعلان
0 تعليق