منوعات

حين هربت من العالم… فطاردتني أسئلته على الشاشة . اسلام عبدالعزيز فرحات

اسلام عبدالعزيز فرحات

حين هربت من العالم… فطاردتني أسئلته على الشاشة

كنت أحاول – كغيري – أن أهرب قليلًا من هذا العالم المثقل بالظلم، أطفئ ضجيج الأخبار، وأغلق أبواب التحليل، وأبحث عن شيء “خفيف” لا يطالبني بالتفكير.

فتحت التلفزيون، فقابلتني محطة MBC2 تحديدًا، وكانت تعرض فيلما بعنوان The Beekeeper… أو كما يمكن ترجمته: “مربّي النحل”، او بعاميتنا “النحال”.

ولأني أحب Jason Statham، فلم أغير المحطة، وقلت رحلة عابرة، نستمتع فيها ببعض الأكشن، لكن يبدو أن الأسئلة لا تُغلق… حتى حين نحاول الهروب منها.

قصة الفيلم

تبدو بسيطة، لكنها ليست كذلك… تبدأ الأحداث برجل هادئ اسمه آدم كلاي، ويؤدي دوره Jason Statham، يعيش في عزلة، ويعمل في تربية النحل.

جارته، سيدة طيبة تُدعى إيلويز باركر، تقع ضحية عملية نصب إلكتروني قاسية، تُسلب فيها كل مدخراتها، بل وأموال مؤسسة خيرية كانت تديرها.

الصدمة لا تُحتمل… فتنهي حياتها فجأة برصاصة من مسدسها، تاركة خلفها سؤالًا صامتًا: من يحاسب؟

هنا، يتغير كل شيء… الرجل الهادئ ليس كما يبدو، يثور من أجل جارته الطيبة التي كانت صاحبة فضل عليه حينما لم يكن له أحد، وتظهر الأحداث أنه ليس رجلا عاديا، بل جزء سابق من تنظيم سري يُعرف بـ “Beekeepers”، وهو تنظيم لا يعمل وفق القانون، بل يتدخل حين يعجز القانون من أجل حماية الفقراء والضعفاء ضد الفاسدين والانتهازيين وسارقي خيرات الأوطان.

يبدأ آدم رحلة انتقام، يصعد خلالها داخل شبكة احتيال معقدة، تتداخل فيها الأموال، والنفوذ، والسياسة، حتى تصل إلى رئيسة الولايات المتحدة الأمريكية، والتي مولت حملتها من أموال حصلت عليها المؤسسة التي يديرها ابنها بطرق احتيالية من الفقراء.

وهنا

لا يبدو الفساد مجرد جريمة… بل منظومة، لكن القصة الحقيقية لم تكن على الشاشة، فما شدّني لم يكن المطاردات، ولا العنف، بل هذا السؤال الذي يمرره صانعوا الفيلم بهدوء، وهو: ماذا لو فشل القانون فعلًا؟ لم يتأخر، بل فشل، لا نتحدث عن خلل جزئي. بل عن عجز كامل.

في هذه اللحظة تحديدًا يولد ذلك “الإغراء” الذي يلعب عليه الفيلم بذكاء لمآرب ربما تكون متباينة، لكن ما يهمني وسأقول لاحقا لماذا، هو أن هذا الإغراء الذي يداعب مخيلاتنا جميعا يولد في تلك اللحظة، فيظهر شخص أو حتى تنظيم، يقرر أن يحمل عبء العدالة وحده.

الفيلم هنا لا يقدم مجرد بطل تتباهى به افلام هوليود على نسق رامبوا وأشباهه، بل يقدم “بديلًا” بديلًا عن الدولة، عن القانون، عن الإجراءات البطيئة التي قد لا تنصف الضعيف في وقته.

وهنا تبدو الفكرة جذابة جدًا… بل إنسانية، حيث هناك من لا يترك الظلم يمر، حتى لو اضطر لكسر كل القواعد.

لكن المشكلة أن هذه الفكرة رغم جاذبيتها تقف على حافة خطيرة، لأن السؤال ليس: هل نريد العدالة؟ فكلنا نريدها، بل: كيف تتحقق العدالة؟

في وعينا الإسلامي

لا تبدو هذه الفكرة غريبة تمامًا، بل نجد ما يشبهها في مبدأ الحسبة، وحتى بالمفهوم الأوسع من المصطلح الوظيفي: مقاومة الظلم، والسعي لرفع المنكر.

لكن الفارق الجوهري لم يكن يومًا في “المبدأ”، بل في الضبط… فليس كل من رأى ظلمًا صار مؤهلًا لإزالته بطريقته، وليس كل دافع نبيل يفتح لصاحبه كل الأبواب، لأن ترك هذا الباب بلا قيود لا يصنع مجتمعًا أكثر عدلًا، بل أكثر اضطرابًا.

الفيلم يضعك في منطقة مريحة، فالضحية واضحة، والجاني واضح، والبطل لا يخطئ لكن الواقع ليس كذلك، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مجتمع هو أن يتحول الإحساس بالحق إلى ترخيص مفتوح بالفعل.

حينها، لا نكون أمام “عدالة أوسع”، بل أمام فوضى متوازية، حيث كل طرف يرى نفسه على صواب، وكل فعل يجد لنفسه مبررًا، وكل عنف يلبس ثوب الإصلاح.

ومن المهم التأكيد على أن المشكلة ليست الرغبة في إنصاف المظلوم، ولا في الغضب من الظلم، بل المشكلة تبدأ حين نتصور أن هذا وحده يكفي.

والتاريخ مليء بمحاولات “إصلاح” بدأت بنوايا طيبة، وانتهت بكوارث، لأن العدالة لا تُبنى بالعاطفة وحدها، ولا بالغضب، بل بنظام يضبط الاثنين معًا.

وأنا أشاهد

The Beekeeper، فهمت لماذا نحب هذه النوعية من الأفلام، باختصار لأنها تعطينا ما نفتقده: إحساس سريع بأن الحق عاد، وأن الظالم لم يفلت.

لكنها في الوقت نفسه تضعنا أمام سؤال لا يمكن تجاهله: هل يمكن أن يعيش العدل خارج مؤسساته؟

ربما يبدو ذلك ممكنًا في فيلم، لكن في الواقع، المجتمعات لا تُدار بالأبطال، ولا تُحمى بالنوايا وحدها، بل عبر نضال طويل داخل منظومات تراعي المجموع ولا تسقط الفرد.

وفي النهاية

لم أنجح في الهروب كما أردت، لأن الفيلم، بدل أن ينسيني العالم، أعادني إليه بسؤال أثقل:

إذا كان الظلم مؤلمًا، فإن الطريق إلى العدالة إن لم يُحكم بضوابط قد يكون أكثر إيلامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *