منوعات

كورونا… بين “المتحدثين باسم الله” و”دواعش الليبرالية” . اسلام عبدالعزيز فرحات

اسلام عبدالعزيز فرحات

في منشور سابق تحدثت عن اولئك الذين لا يرون إلا الأبيض والأسود.. وهذه الطريقة منهج حياة لدى أصحابها، يعتقدون أن الحياة في كل تفاصيلها بين نقيضين، لا يؤمنون بتنوع، ولا يصدرون عن نسق مفتوح يمكنه أن يتعامل بأريحية مع قضايا لا تحتمل الوقوف عند أحد طرفيها..

تراهم كذلك في تعاملهم مع المجال العام، وتراهم كذلك في حياتهم الشخصية بكل تفاصيلها… إن قدر لك أن تطلع عليها..

لا فرق بالمناسبة في تقييم هذا النوع من التفكير بين من يظنهم الناس نقيضين.. كلاهما صورة كربونية من الآخر.. الصفات نفسها، وربما الملامح التي تخفيها أردية يفرضها المربع الذي يقف فيه كل واحد منهم..

هذه المخلوقات تعرفها بمجموعة من الصفات لا يمكن أن تخطئها عينك، فهم:

• مستبدون يريدون فرض رؤيتهم على الآخرين.

• لا يؤمنون بالتنوع.

• عدوانيون مع مخالفيهم.. من ليس معي فهو ضدي.

• لديهم قدرة عجيبة على تبرير الظلم خاصة إن صدر منهم أو من فريقهم.

• لديهم اختلال واضح في ميزان الاولويات.. أولويات العمل والحديث وكل شيء.

• بُلداء في تخصصاتهم الأصيلة، ليس منهم ألمعيٌ في فنه، بل ربما كانوا في عرف أقرانهم مجرد أرقام لا أكثر ولا أقل!!

نوع عجيب من المخلوقات هم.. تراهم مع كل أزمة يتعامل معها المجتمع يُطلون علينا بما يحملونهم من عفن فكري، لينثروه في الأجواء.، فتزكم الأنوف، وتتلبد الأجواء، ويصير الغبش عنوانًا عند قطاع كبير من الجماهير الذين يستمدون رؤيتهم من بعض هؤلاء؛ نظرًا لعوامل كثيرة، بعضها يتعلق بمستوى الجماهير الثقافي، والآخر يتعلق بهالة إعلامية تصنع حول كثيرين من هؤلاء لأغراض أو لأخرى!

وفي أزمة كورونا، كان الفريقان على أهُبة الاستعداد ليتعاملوا بالطريقة ذاتها، وليفترضوا صراعًا وتناقضًا غير موجود إلا في مخيلاتهم المريضة بالأبيض أو الأسود!!

أولهم: المتحدثون الحصريون باسم الله

لا يعلم أسرار الشريعة إلا هم، لديهم قدرة عجيبة على الاستدلال لآرائهم -هو استدلال مشوه طبعا ومخالف لأبسط القواعد والأصول الشرعية-.

في كل الأزمات لديهم “منافيستو” واحد يخرجون به على الناس ليعلنوه، تفاصيله كلها تصب في اتجاه واحد.. اتجاه تجيير أسباب تلك الأزمات إلى الكفر والإيمان.. إلى غضب الله على الكافرين.. الذين تنزل بساحتهم الصواعق والبراكين والزلازل غضبا من الله..

في صلاة المغرب ليوم 12 سبتمبر عام 2001، بعد أقل من أربع وعشرين ساعة على أحداث الحادي عشر من سبتمبر في أمريكا، قابلني أحدهم في مسجدنا وأوقفني فرحا مسرورا قائلا: هذه الأحداث ذكرت في القرآن بتفاصيلها، فسالته كيف ذلك: فذكر آية التوبة: ” أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَم مَّنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَىَ شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ..” وشرع يفصل القول عن اسم الشارع ورقم الآية ودلالته، فرحا مزهوا بما يقول، ومؤكدا أن أمريكا تحتضر، وأن الخير سيعم العالم بعد تلك الأحداث..!!!!!

العجيب أنهم بالفعل مقتنعون، وأن منهم بعض المتعلمين أو المحسوبين على العلم الشرعي..

في أزمة كورونا بدوا وكأن العالم كله في واد وهم في واد آخر، في بداية الأزمة نصبوا أنفسهم متحدثين باسم الله، وادعوا أن ما أصاب الصين هو غضب من الله عز وجل عليهم، ثم ما لبثوا بعد أن فرغت الكعبة من الطائفين والقائمين والمعتكفين يولولون، وتحدثون عن علامات يوم القيامة، وقرب خروج المهدي والدابة والمسيخ الدجال!!!!

لا يؤمنون بسنة التدافع، يعتقدون أن الله سيحارب الصين من أجل أهلنا في الأيجور، ويرفع عنا حرج نصرتهم!!!

زمن المعجزات انتهى يا سادة.. أفيقوا، ستظل الصين هكذا تفعل في كل مسلميها، تحكمها مصالحها وتحركها عقيدتها، إما أن تقوى شوكة المسلمين ويرغمونهم على رفع هذا الظلم، وإما سيظل الحال هكذا وسيسوء أكثر.. الله لا يدافع عن الكسالى ولا المنظرين، الله يدافع عن العاملين الفقهين الفاهمين لحركة الكون غير المصادمين لسننه!!

وتستمر البلاهة لتصل إلى ما لا يتوقعه أحد.. فيترك أحدهم كل شيء ويكتب يؤكد أن الله أرسل كورونا ليلبس الناس جميعا النقاب الذي حاربته الدنيا كلها على حد تعبيره، وآخر كتب يقول أين هم الذين كانوا ينعتوننا بأننا لا نفارق صنابير المياه لنعلم الناس الطهارة، العالم كله الآن يتجه للطهارة والاغتسال الذي قلتم إننا لا نعرف غيره….!!!!! تخيل يا مؤمن السخف!!!!!!!

لم يكتب أحدهم مطلقا عن البحث العلمي وكيف وجه الإسلام إليه، لم يكتب أحدهم عن الأزمة وتجلياتها الاجتماعية والاقتصادية على عالم عربي وإسلامي مأزوم أصلا، وكيف نسهم في حلها على مستوياتنا الدنيا بعيدا عن الانظمة والحكومات…

لم يكتب أحدهم عن واجبات المسلم في ظل هذه الأزمات، لم يحاول أحدهم أن يستشعر قيمة إسلامية هامة وهي قيمة نشر التفاؤل والبشر في المجتمع بدل من أن يمارس دور الجلاد الذي يظل يجلد الناس بسوط الذنوب والمعاصي، ويقنطهم من رحمة الله ومن عفوه ومن لطفه!

وحينما تحاول نقاش أحدهم وإعادته إلى ما تراه فهم الإسلام الصحيح: إذا به ينعتك بالحداثي والعلماني، ويسوق لك آيات وأحاديث يلوي عنقها، ولا يدرك حقيقة الاستدلال بها.. فتضطر آسفا للصمت إيثارا لما يمكنه أن يبقى بينكم من ود عله يعود يوما ويفهم!!

 

أما الفريق الثاني… فهم دواعش الليبرالية

وهنا دعوني أؤكد أني استعرت هذا التعبير من صديقنا الدكتور محمد حلمي الذي كتبه بصيغة أخرى “دواعش الحداثة”…

ودواعش الحداثة أو الليبرالية هؤلاء مخلوقات _ بالتعبير العامي “حوله” _ أصابها الحول، لا ترى إلا جهة واحدة، و”حولهم” ليس “حولا” في العين فقط، وإنما “حول” في العقل أيضا..

حوَل في العقل لأنهم يفترضون تناقضا بين الدين وبين ما يعتقدونه مدنية وتقدما وحضارة وعلما…

لن أتحدث هنا عن جهل مطبق ظهر جليا في تدوينات بعضهم، جهل بأبجديات يدركها طلاب الصف الأول الثانوي الأزهري، يدركها أصغر دارس لعلوم الشريعة في أي جامعة إسلامية…

لا يختلفون كثيرا عن المتحدثين الحصريين باسم الله.. بالعكس كما قلت هم نسخ كربونية منهم، يحاولون ليً عنق النصوص لتوافق هواهم، تغيب عنهم علوم اللغة فيخطئون في الأبجديات والمسلمات..

حينما يعثرون على نص يخالف _ظاهره حسب فهمهم_ الحقائق العلمية أو ينازعها تراهم وكأنهم وجدوا كنزا، يجعجعون هنا وهناك، ومع أول ضربة يتلقونها تظهر عور ما يروجون إذا بهم ينسحبون في هدوء وينقلون المعركة إلى مربع آخر، دون اعتراف بخطأ ظاهر وصريح ومخزٍ!!

يكتب أحدهم متهكما: ياريت يا جماعة كلنا ندعي الليلة دي علشان كورونا يمشي.. انتم عارفين إن الدعاء بيرد القضاء.. فيلا ندعي وسبوكم من العلما والمعامل والقرف ده خلي الكفرة يعملوه وتعالوا احنا نمشي كورونا بالدعاء” تخيل هذا الخلط العجيب الذي ينم عن عقلية مريضة..

افترض المثقف النخبوي أن الأمر في أحد النقيضين إما العلم وإما الدعاء.. أبيض أو أسود.. تماما كما يفعل السابقون.. ثم راح يتهكم على نص نبوي، مفترضا ومدلسا بأن النص يتعارض مع العلم..

خيال مريض، وعقل أجوف، وعدم إنصاف، وخسة في التعامل مع حقائق العلم، وانتهازية، وكذب، وكل ما هو قبيح!!!

يا أيها الأجوف.. لو لم يكن من لطف الله تعالى للبشرية نصيب فلن تستطيع الانتصار على كورونا ولا أي غيره حتى لو جيشت علماء الدنيا كلها…

إذا لم يكن عون من الله للفتى….. فأول ما يجني عليه اجتهاده

هذا التناقض بين العلم والمعامل والأبحاث وبين الدعاء واللجوء إلى واهب العلم والحياة كلها غير موجود إلا في عقلك المريض، إلا في خيالك المأفون، إلا في أفقك الضيق..

داعشي أنت، وأقبح من الدواعش، قاعدي أنت وأقبح من القاعديين، ثقافتك هشة، وبضاعتك مزجاة، وأمثالك وأمثال أشباهك إلى مزبلة التاريخ…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *