هذه ليست مجرد تذكرة دخول لحفل، بل بطاقة عبور إلى زمنٍ عربي كامل، إلى ليلةٍ يعود فيها صوت محمد عبد الوهاب من بين الستائر الحمراء،

‏الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

هذه ليست مجرد تذكرة دخول لحفل، بل بطاقة عبور إلى زمنٍ عربي كامل، إلى ليلةٍ يعود فيها صوت محمد عبد الوهاب من بين الستائر الحمراء، وتعود معه القاهرة كما عرفها الناس: مدينةً تُطفئ ضجيجها حين تبدأ الموسيقى.

‏في الصورة تبدو التذكرة الصغيرة وكأنها وثيقة وفاء، تحمل اسم دار الأوبرا المصرية وتاريخ الأمسية: 22 مايو 2026، لكن ما تحمله في الحقيقة أكبر من موعدٍ ومقعد. إنها صلة بين جيلٍ عاش عبد الوهاب حيًا، وجيلٍ لم يدركه إلا عبر الأسطوانات القديمة، ومع ذلك يشعر أن شيئًا من روحه ما يزال حاضرًا في الوجدان العربي.

‏محمد عبد الوهاب لم يكن فنانًا عابرًا في تاريخ الطرب، بل كان مرحلة انتقالية كاملة؛ نقل الموسيقى العربية من الصالونات الضيقة إلى الفضاء الأوركسترالي الرحب، ومن الأداء التقليدي إلى التجريب المحسوب دون أن يفقد روح الشرق. لذلك فإن إحياء ذكراه في دار الأوبرا ليس مجرد حفل تكريم، بل إعادة استحضار لفكرة “الفن الراقي” الذي كان يُعامل بوصفه جزءًا من بناء الذوق العام والهوية الثقافية.

‏وفي هذه اللقطة بالذات، حيث اليد تمسك التذكرة في عتمة القاعة قبل بدء العرض، ثمة معنى عميق؛ فالفن الحقيقي يبدأ قبل أن تُعزف أول نغمة. يبدأ من الترقب، من رهبة الستار المغلق، من شعور الإنسان أنه على موعد مع شيء أكبر من التسلية: مع ذاكرة، ومع وطنٍ قديمٍ يسكنه اللحن.

‏وربما لهذا ظل عبد الوهاب حاضرًا رغم مرور العقود؛ لأنه لم يصنع أغانٍ فقط، بل صنع الحالة العربية نفسها حين كانت القصيدة تُغنّى، واللحن يُبنى بهدوء، والصوت يحمل ملامح الحضارة لا ضجيج السوق.

‏رحم الله موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب… الذي ما زالت تذاكره، وصوره، وألحانه، قادرة على أن تعيد للروح شيئًا من اتزانها القديم.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *