هل تتحول الأضحية إلى “شراكة أسهم”؟ قراءة هادئة في الجدل حول الاشتراك مع غير المسلم في الأضحية
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
أثار إعلانٌ متداول عن جواز اشتراك المسلم مع غير المسلم في الأضحية من البقر أو الإبل موجةً واسعة من الجدل، ليس لأن الناس تجهل وجود الخلاف الفقهي في بعض جزئيات المسألة، بل لأن الشعيرة في الوعي الإسلامي أعمق من أن تُختزل في صورة “مساهمة مالية” أو “تقسيم حصص” داخل ذبيحة واحدة. فالأضحية عند المسلمين ليست مجرد لحم يُقسم، بل رمز تعبدي موصول بمعنى التوحيد والنسك والنية والقربة إلى الله تعالى، منذ أن رفع إبراهيم عليه السلام سكين الطاعة فوق ابنه إسماعيل، فتحولت الذبيحة إلى معنى إيماني خالد يتكرر كل عام في وجدان الأمة.
ولهذا لم يكن السؤال الشعبي الذي تردد بين الناس سؤالًا فقهيًا تقنيًا بحتًا، بل كان سؤالًا فطريًا يحمل قلقًا على روح الشعيرة نفسها: إذا اشترك المسلم مع غير المسلم في أضحية واحدة، فمن الذي تُكتب له نية القربة؟ ومن يبدأ التسمية؟ وعلى أي شريعة تُذبح الذبيحة أصلًا؟ وهل تتحول الأضحية من عبادة توحيدية إلى عقد شراكة مالية يشبه أي مشروع تجاري آخر؟
الذين أجازوا هذه الصورة من الفقهاء لم يقولوا إن غير المسلم أصبح متعبدًا بشعيرة الأضحية الإسلامية، وإنما نظروا إلى جانب الملكية والاشتراك المالي فقط، باعتبار أن البقرة أو الإبل يجوز أن يشترك فيها أكثر من شخص، ثم ينوي المسلم نصيبه قربة لله تعالى، بينما تكون حصة غير المسلم مجرد انتفاع باللحم أو مشاركة مالية لا تحمل معنى النسك الإسلامي. وعندهم أن المسلم هو الذي يذبح ويُسمّي، وأن الأجر والنية مرتبطان به وحده.
لكن الإشكال الحقيقي الذي استوقف كثيرًا من الناس اليوم ليس في “إمكانية التقسيم” بقدر ما هو في صورة الشعيرة وهيبتها الرمزية. فالذبح في الإسلام ليس عملية غذائية مجردة، بل عبادة مرتبطة باسم الله، ولهذا قال تعالى:
﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾
وقال أيضًا:
﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾.
فالتسمية هنا ليست إجراءً صوتيًا فقط، بل إعلان عقدي يربط الذبح بالتوحيد. ومن هنا شعر كثير من الناس أن إدخال من لا يؤمن أصلًا بالشعيرة في بنية الأضحية الواحدة يُضعف المعنى الرمزي للنسك، حتى وإن وُجد قول فقهي يجيز ذلك من زاوية معينة.
وفي الحقيقة فإن الفقه الإسلامي عرف دائمًا التفريق بين “الصحة الفقهية” و”كمال المعنى التعبدي”. فليس كل ما يصح من حيث الإجراءات يتحول بالضرورة إلى الصورة المثلى للشعائر في وجدان الأمة. ولهذا ظل المسلمون عبر القرون ينظرون إلى الأضحية باعتبارها قربةً موحدة النية والرمز، لا مجرد مساهمة مالية قابلة لتعدد المقاصد المتباينة داخل الذبيحة الواحدة.
إن أخطر ما يواجه الشعائر الدينية في العصر الحديث هو تحويلها تدريجيًا من رموز روحية إلى صيغ إدارية ومحاسبية باردة، حتى يصبح السؤال: “كم سهمًا دفعت؟” بدل السؤال: “ما معنى القربة والنسك والتوحيد؟”. وحين تفقد الشعائر بعدها الرمزي تتحول مع الزمن إلى طقوس بلا حرارة إيمانية، وهذا ما يفسر الحساسية الشعبية تجاه مثل هذه الفتاوى، حتى عند من يدرك وجود أقوال فقهية قديمة فيها.
ولذلك فإن النقاش الهادئ والمتزن هو الأجدر بمثل هذه المسائل؛ فلا يُخوَّن من أجاز اعتمادًا على اجتهاد فقهي معتبر، ولا يُسخر ممن تحفظ دفاعًا عن روح الشعيرة وهيبتها. فالمسألة في جوهرها ليست مجرد “جواز وعدم جواز”، بل سؤال أعمق عن كيفية بقاء المعنى الروحي للشعائر الإسلامية في زمنٍ تميل فيه الحياة الحديثة إلى اختزال كل شيء في لغة الأرقام والأسهم والشراكات.
