ما تعلمته من صحبتي للقرآن الكريم. بقلم/ اسلام عبدالعزيز فرحات

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات

لعل أكثر ما تعلمته من صحبتي للقرآن أنني كنت في كثير من الأحيان أفتح المصحف دون أن أترك له فرصة واحدة ليبدأ الحديث… كنت أسبقه دائمًا، أدخل إليه محملًا بأسئلتي، وبهمومي، وبقناعاتي، وبما أحب أن أجده فيه.

أبحث عن آية تؤيد فكرة أؤمن بها، أو تمنحني جوابًا لسؤال يشغلني، أو تعينني على إقناع غيري بما أراه حقًا.

ولم أكن أشعر يومها أنني أفعل شيئًا يستحق المراجعة، حتى بدأت أكتشف شيئًا فشيئًا أنني لا أستمع إلى القرآن بقدر ما كنت أستدعيه، وأن الفارق بين الأمرين أبعد مما كنت أتصور…

فالذي يستدعي القرآن، يظل هو المتكلم، وإن بدا في الظاهر منصتًا، أما الذي يترك للقرآن حق المبادرة، فإنه يقبل منذ اللحظة الأولى أن يسمع ما لم يكن يتوقع سماعه، وأن يواجه من نفسه ما لم يكن يريد أن يواجهه، وأن يخرج من الآية بغير ما دخل إليها به.

ولعل هذا هو السر الذي يجعل القرآن يدهش قارئه مرة بعد مرة، مع أنه يقرأ الآية نفسها عشرات المرات… فالدهشة ليست في أن الآية تغيرت، وإنما في أنها وجدت في القلب هذه المرة مساحة لم تكن موجودة من قبل.

وقد استوقفتني كلمة رقيقة لـ أبي الحسن الندوي وهو يتحدث عن القرآن، يقول فيها: إن الوحي لا يعطي كنوزه لمن يقف على بابه مستعجلًا، وإنما لمن يدخل عليه دخول الضيف الذي يعرف قدر صاحب البيت.

ولعله لم يكن يقصد بطء القراءة، بقدر ما كان يقصد أدب التلقي؛ ذلك الأدب الذي يجعل الإنسان مستعدًا لأن يتعلم، لا لأن يمتحن النص أو يختبره، أو يطالبه بأن يوافق ما استقر في ذهنه.

ومن أبدع ما لمسته في القرآن أنه كثيرًا ما يجيب عن السؤال الذي كان ينبغي أن أسأله، لا عن السؤال الذي حملته معي.

وكم من مرة دخلت أبحث عن حكم، فخرجت بإصلاح قلب، ودخلت أفتش عن تفسير حادثة، فإذا بالآية تفسرني أنا، ودخلت أبحث عن جواب لمشكلة خارجية، فإذا بالقرآن يأخذ بيدي إلى المشكلة الأعمق الساكنة في داخلي، وكأنه يقول لي في رفق: ابدأ من هنا… فهنا أصل الحكاية.

ولذلك فإن أول عهد أرجو أن نقطعه على أنفسنا، أن نكف عن استعجال القرآن ليجيب عن أسئلتنا، قبل أن نتيح له الفرصة ليطرح علينا أسئلته هو.

فما أكثر الأسئلة التي نحملها إلى المصحف… وما أقل الأسئلة التي نسمح للمصحف أن يغرسها فينا… ولعل هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.

فالآية لم تجعل الغاية أن نزداد علمًا فحسب، وإنما أن يقع التدبر، ثم تقع الذكرى.

والتدبر كما يقرر الراغب الأصفهاني هو النظر في عواقب الكلام ومآلاته، لا الوقوف عند ظاهره، وكأن القرآن لا يدعوك إلى أن تمر على ألفاظه، بل إلى أن تدعه يقودك إلى ما وراء الألفاظ؛ إلى المقصد الذي من أجله نزلت، وإلى الإنسان الذي تريد أن تعيد بناءه.

ولهذا، فلن يكون أول سؤال سنطرحه كلما وقفنا أمام آية: ماذا أريد أنا منها؟ بل سيكون: ماذا تريد هي مني؟ وأحسب أن الفارق بين السؤالين هو الفارق بين قارئٍ يقود القرآن إلى حيث يريد، وآخر رضي، أن يقوده القرآن إلى حيث أراد الله.

(هذا النص من مشروع كتاب لي عن القرإن الكريم لم أستقر على اسمه بعد… أتمنى الدعاء بالقبول والتوفيق والسداد)

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *