فهم معني قوله تعالى ( “وأما السائل فلا تنهر” ) بدون اختزال لوعينا الإسلامي

كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات 

من أكثر الآيات التي تعرضت لعملية اختزال قاسية في وعينا الإسلامي قوله تعالى آمرا نبيه صلى الله عليه وسلم: “وأما السائل فلا تنهر”.

فقد حاصرناها طويلًا في صورة الفقير الذي يطرق الباب طالبًا نفقة أو صدقة، حتى كدنا ننسى أن السؤال نفسه قيمة كبرى احتفى بها القرآن، وأن السائل ليس دائمًا صاحب يد ممدودة لطلب صدقة، بل قد يكون صاحب عقل متعطش للفهم، أو روح قلقة تسأل عن طريق الطأنينة، أو قلب متردد يبحث عن معنى يرسخ الإيمان فيه.

تأمل المشهد القرآني كله… ستجد أن الله سبحانه فتح باب السؤال على مصراعيه، وروى لنا أنواعا مختلفة من الأسئلة.. رأينا فيه كيف سأل الأنبياء عن أمور تبدو في عرفنا الآن من الكبائر لو مرت على عقولنا فضلا عن أن نسأل عنها!!!، وروى لنا كيف سأل أهل الإيمان في كل العصور، وكيف سأل المترددون، بل كيف قبل القرآن أن يروي أسئلة المكذبين.

بل إن إبليس نفسه جادل واعترض وقال: “أنا خير منه”، فنقل القرآن حجته قبل أن يحكم عليها، لتتعلم البشرية أن الفكرة لا تُهزم بإسكاتها، وإنما بكشف ما فيها من خلل.

لم يكن الوحي يخاف من الأسئلة، بل كان يصنع أمة بالأسئلة، ولذلك تكررت في القرآن عشرات المرات عبارة: “يسألونك”، وكأن الرسالة الخاتمة جاءت لتقول للإنسان: لا تتوقف عن البحث، ولا تخجل من الحيرة، ولا تدفن علامات الاستفهام في قلبك خوفًا من الناس.

لكن شيئًا ما حدث رغم كل ذلك…

شيئًا ما جعل السؤال يتحول من فضيلة إلى تهمة، صار الطفل الذي يسأل كثيرًا مصدر إزعاج، والطالب الذي يناقش معلمه متهمًا بقلة الأدب، والشاب الذي يبحث عن إجابات لأسئلته الفكرية متهمًا بضعف اليقين، والباحث الذي يسأل ليصل إلى قناعات ملحدا!!!

وصرنا ـ دون أن نشعر ـ ننهر السائلين كل يوم، وإن لم ننطق بكلمة “اسكت”… ننهرهم بالسخرية، ننهرهم بالاتهام، ننهرهم بالتخويف، ننهرهم بإشعارهم أن السؤال عيب، وأن الطاعة الحقيقية هي أن تتوقف عن التفكير.

ثم نتساءل بعد ذلك: لماذا تراجع الإبداع؟ ولماذا جف الاجتهاد؟ ولماذا تحولت المعرفة عند كثيرين إلى ترديد محفوظات لا إلى اكتشاف حقائق؟

الحقيقة أن الحضارات لا تنهار يوم تعجز عن الإجابة، وإنما يوم تتوقف عن طرح الأسئلة، فكل اكتشاف عظيم كان سؤالًا في بدايته، وكل يقين راسخ مرّ يومًا من بوابة التساؤل، وكل عقل كبير بدأ رحلته بعلامة استفهام صغيرة.

لعلنا بحاجة إلى أن نعيد قراءة الآية مرة أخرى، أن نقرأها هذه المرة بوصفها دفاعًا عن الإنسان الباحث، لا عن الإنسان المحتاج فقط، أن نفهم أن من يطلب فكرة قد يكون أفقر ممن يطلب رغيفًا، وأن من جاءك يسأل عن معنى الحياة، أو عن حكمة الشر، أو عن سر القدر، أو عن سبب حكم من الأحكام؛ لا يستحق أن يُنهر، بل يستحق أن يُحتفى به.

فالأمم التي تكرم السائلين تصنع المعرفة، أما الأمم التي تخيفهم، فلا تورث أبناءها إلا الصمت، وربما لم تكن مشكلة كثير من مجتمعاتنا أنها فقدت الأجوبة، بل أنها فقدت الشجاعة التي تجعل أبناءها يطرحون الأسئلة.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *