جرح الإسكندرية.. حين اهتزت هيبة المماليك . دكتور/ شريف الجندي

كتب دكتور / شريف الجندي

في مطلع القرن الخامس عشر ،

كانت ( القاهرة ) في عهد المماليك ،

تقف في قلب العالم الاسلامي كالطود العظيـم .!!

 

ركن شديد يرهب الممالك الصليبية ،

ويراقب طرق التجارة الممتدة بين الشرق والغرب

لكن تحت هذا المجد ،

كان جرحٌ قديـم لا يزال ينزف في ذاكرة الدولة .. !!

( جرح الإسكندرية )

قبل عقــود ،

وتحديدًا سنة 1365م ،

هاجمت قوات قبرص الصليبية ،

بقيادة الملك ( بطرس الأول ) مدينة الإسكندرية ،

في واحدة من أبشع الغارات ،

التي شهدتها سواحل المسلمين ،

مستغلة غفلة المماليك و نزاعاتهم الداخلية .. !!

دخل الصليبيون المدينة فقتلوا أهلها ،

ونهبــوا أسواقها ، وأحرقوا بعض أحياءها ،

واخذوا أسرى وغنائم وسبايا من نساء المسلمين

وفرّوا قبل وصول الجيش المملوكي ،

تاركينها تشـتعل ، والدخـان يرتفع فوق مآذنها ..

ومرّت ستون سنة …

و القاهرة تعد انتقامها بصبر وهدوء ..

تبدلت السلاطين ، وتعاقبت الدول ،

لكن صورة الإسكندرية المحترقة ،

لم تغادر ذاكرة المماليك أبدًا .

ثم جاء رجلٌ ،

حمل ذلك الجرح في قلبه أكثر من غيره :

( السلطان الأشرف سيف الدين برسباي )

كان طويل القامة ، حادّ النظرات ،

يحمل في وجهه آثار الحروب ،والسهر ، والسلطة .

لم يكن من أولئك السلاطين ،

الذين يكتفـون بالجلوس فوق العروش المذهبة ،

بل كان رجـلًا تشكّل في ساحات القتال ،

يعرف جيدًا كيف يصبر وينتقم ..

في مايو سنة 1426م ،

قد وصلت إلى القاهرة أنبـاء كارثية :

أربع سفن مملوكية ،

أُحرقها القبارصة في عرض البحر ،

وقتلوا بحّارتها جميعًا ، ثم أُلقيت جثثهم للأمواج .

دخل الرسل إلى قاعة العرش ،

والسلطان جالـس في صمت ثقيل ..

قرأ الرسالة ببطء …

ثم قبض على ذراع كرسيه حتى ابيضّت مفاصله ،

ولم يخرج من فمه سوى كلمة واحدة :

( كفى .. !! )

ومنذ تلك اللحظة ، بدأ البحر يستعد للحرب ..

لكن برسباي لم يكن رجل اندفاع أعمى ،

بل كان ينتقم كما تزحف العاصفة ببطءٍ مدروس .

في سنة 1424م

أرسل حملة بحرية صغيرة ،

بقيادة الأمير ( تغري المحمودي )

وصلت السفن المملوكية ،

إلى الميناء القبرصي ( ليماسول ) ليلًا ،

ثم انقضّت عليه بالنار والسيوف ،

اشتعلت السفن القبرصية، واحترق الميناء ،

وعاد الجنود إلى مصر حاملين أول رسالة تهديد :

( القاهرة لم تنسَ … استعدوا للانتقام )

ثم جاءت الضربة الثانية بعد عام واحد فقط ..

خرجت أربعون سفينة مملوكية من الإسكندرية ،

تضرب الأمواج كأن البحر نفسه يدفعها ،

نحو قبرص ..

هاجمت ( ليماسول ) بعنف ، فهدمت أسوارها ،

وأحرقت مرافقها ، وأَسرت الآلاف من سكانها ،

ثم عادت بنساء قبرص سبايا إلى مصر ،

وسط احتفالات شعبية ضخمة ،

عمّت القاهرة والإسكندرية ..

لكن السلطان لم يكن يريد غارة عابرة … !!!

كان يريد أن يرد ينتقم أشد انتقام ،

حتى لا يفكر صليبي في غزو بلاد المسلمين ..

في صيف سنة 1426م،

خرج الأسطول الأعظم في تاريخ مصر ..

مئة وثمانون سفينة حربية غطّت البحر،

حتى بدا الأفق وكأنه غابة ،

من الصواري والرايات المملوكية الصفراء ،

و رايات الخلافة العباسية السوداء .

وفي مقدمة الحملة وقف الأمير تغري المحمودي

والأمير إينال الجكمي، وخلفهما آلاف الجنود ،

الذين حملوا في قلوبهم ،

قصة الإسكندرية المحترقة،

وكأنهم ذاهبون لإطفاء نارٍ بقيت مشتعلة 60 عامًا.

وصلت الحملة إلى ( ليماسول ) …

فسقطت المدينة تحت أقدام المماليك ،

سقــــوطًا مدويًا ..

اشتعل الميناء ، وانهارت الأسوار،

وامتلأ البحر بالحطام والجثث والسفن المحترقة .

ثم تقدمت الجيوش المصرية نحو داخل الجزيرة .

قسم المماليك قواتهم قسمين :

جيشٌ بري يتجه نحو العاصمة ( نيقوسيا )

وأسطولٌ يطارد السواحل ،

ويمنع أي نجدة اوروبية من الوصول ..

وفي سهل قريب من ( كيرينيا )

ظهر جيش ملك قبرص ( جانوس )

كانت دروع فرسانه تلمع تحت أشعة الشمس ،

وأعـدادهم الكبيرة مسلحة ومستعدة ،

لكنهم كانوا يفتقدون شيئًا واحدًا :

ذلك الغضب العميق ،

الذي كان يسكن قلوب المماليك أسود شركسية ،

تمت تربيتها على قتل اعداء المسلمين ،

منذ نعومة اضافرها ..

وحين بدأت المعركة ،

تحطمت صفوف القبارصة سريعًا ،

تكسرت الرمــاح ، وتبعثرت الرايات ،

وتحول الميدان إلى دوامة من والصراخ والدماء ..

ثم جاءت اللحظة التي لم يتخيلها أحد في أوروبا :

( ملك قبرص نفسه ، وقع أســيرًا .. !! )

اقتيــد ( جانوس )

مكبلًا ذليلا بالسلاسل أمام الجنود المماليك ،

ثم جاء الدور على نيقوســيا ..

فرض المماليك عليها حصارًا خانقًا ،

فقطعوا طرق الإمداد ، ومنعوا الطعام ،

وضربوا الأسوار بالمجانيق بلا توقف وبلا هوادة ،

حتى فتحت المدينة أبوابها وهي ترتجف خــوفًا ..

وفي البحر ،

حاول أسطول أوروبي إرسال النجدة لقبرص ،

لكن السفن المملوكية اعترضته ،

وأغرقت جزءًا كبيرًا قبل أن يقترب من الجزيرة ،

ففر مذعـــورا ..

وعندما عاد الأسطول المنتصر إلى مصر،

بدا المشهد وكأنه خارج من صفحات الأساطير ..

دخلت السفن إلى ميناء ( رشيد ) ،

وسط صيحات الناس ، وقرع الطبــول ..

وكان في الموكب يتكون من ،

ثلاثة آلاف وسبعمائة أســير صليبي ،

يتقدمهم ملك قبرص نفسه ،

حافي القدمين ، مكبلًا بالحديد ، ذليلاً مكسوراً ..

وقف أهل القاهرة على جانبي الطريق ،

يحدقــــون فيه ..

هــو ذلك الملك ،

الذي أرعبت بلاده سواحل المسلمين يومًا ،

صار الآن أسيرًا ذليلاً يسير تحت رايات مصرية ..

استقبل برسباي بالقلعة ملك قبرص ،

وكان بحضرته وفود من أماكن مختلفة ،

من بلاد المسلمين استدعتهم مصر للتشفي ،

مثل : شريف مكة ، ورسل من آل عثمان ،

وملك تونس ، وبعض أمراء التركمان ،

فقبّل ( جانوس ) الأرض بين يدي ( برسباي )

واستعطفه في أن يطلق سراحه ،

فوافق السلطان ،

على أن يدفع مائتي ألف دينار فدية ،

مع التعهد على :

أن تظل قبرص تابعة لسلطان المماليك ،

وأن يكون هو نائبا عنه في حكمها ،

وأن يدفع جزية سنوية ،

قبرص لم تستعد هيبتها القديمة أبدًا ،

واستمرت منذ ذلك الوقت تابعة لمصر ،

حتى سنة 1517 م

عندما سقطت دولة المماليك ،

على يد السلطان العثماني : ( سليــم الأول )

لمشاهدة الحلقة اضغط على الرابط التالي 

https://www.facebook.com/share/p/198UT7xjKy /

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *