نافورة فرنسية لتطوير مياه جدة.. عندما وظّفت فرنسا رعاية الحجاج لتعزيز نفوذها في العالم الإسلامي
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
تكشف وثيقة هندسية فرنسية نادرة عن مشروع لإقامة نافورة ذات عشرة صنابير لمدينة جدة، حملت عنوانًا واضحًا باللغة الفرنسية:
Fontaine à 10 Robinets pour la ville de Djeddah
«نافورة ذات عشرة صنابير لمدينة جدة».
ولا تقتصر أهمية هذه الوثيقة على كونها رسمًا هندسيًا لمرفق خدمي، بل إنها تعكس مرحلة تاريخية كانت فرنسا فيها تسعى إلى توظيف الخدمات المقدمة للحجاج المسلمين في إطار سياستها الاستعمارية.
ففي أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت فرنسا تفرض سيطرتها على مساحات واسعة من العالم الإسلامي، مثل الجزائر وتونس، ثم توسع نفوذها إلى غرب إفريقيا، حيث أصبحت تحكم ملايين المسلمين. وبحكم مسؤوليتها الاستعمارية عن هؤلاء السكان، أخذت تقدم نفسها أمام الدولة العثمانية وأمام المجتمع الدولي بوصفها الدولة الراعية لحجاج رعاياها المسلمين، فأصبحت تهتم بتنظيم رحلاتهم البحرية، وإنشاء المحاجر الصحية، وتقديم الخدمات الطبية، وتحسين مرافق المدن التي يمرون بها، وفي مقدمتها مدينة جدة.
وفي هذا السياق يمكن فهم هذه الوثيقة الفرنسية، فهي لا تمثل مجرد مشروع هندسي معزول، بل تدخل ضمن سياسة أوسع هدفت إلى إظهار فرنسا بمظهر الدولة الحريصة على راحة الحجاج المسلمين، في الوقت الذي كانت فيه تمارس سلطتها الاستعمارية على أوطانهم.
ويظهر الرسم الهندسي منشأة دائرية تتوسطها خزانة للمياه، تحيط بها عشرة صنابير موزعة بانتظام، بما يسمح لعدد كبير من الناس بالحصول على المياه في الوقت نفسه. كما يبين قطاعًا رأسيًا للنافورة وسقفًا هرميًا يحمي المياه والمستفيدين من حرارة الشمس، مع تحديد جميع الأبعاد الهندسية اللازمة للتنفيذ.
ولا شك أن جدة، باعتبارها بوابة الحرمين الشريفين، كانت محل اهتمام القوى الدولية آنذاك، ليس لأسباب إنسانية فحسب، بل لأن موسم الحج كان يمثل ملتقى سنويًا لمئات الآلاف من المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم، ومنهم رعايا الدول الاستعمارية الأوروبية. ولذلك تنافست تلك الدول على إبراز دورها في رعاية حجاجها، سواء بإنشاء المستشفيات والمحاجر الصحية، أو بالمشاركة في تحسين بعض المرافق العامة.
ومع ذلك، فإن قراءة هذه الوثيقة يجب أن تكون قراءة تاريخية متوازنة؛ فهي لا تعني أن فرنسا كانت صاحبة مشروع إصلاح لمدينة جدة بقدر ما تعكس سعيها إلى توظيف العمل الخدمي في خدمة سياستها ونفوذها بين المسلمين الخاضعين لسلطانها الاستعماري.
ومن هنا تكتسب هذه الوثيقة قيمة مزدوجة؛ فهي من جهة شاهد هندسي على مشروع لتطوير مرافق المياه في جدة، ومن جهة أخرى وثيقة سياسية تكشف كيف كانت القوى الاستعمارية تستخدم خدمة الحجاج وسيلة لتعزيز حضورها في العالم الإسلامي، وتقديم نفسها بوصفها حاميةً لمصالح رعاياها المسلمين، بينما كانت أوطان هؤلاء الرعايا ترزح تحت الاحتلال.
واليوم، وبعد أكثر من قرن على إعداد هذا المخطط، تعود هذه الوثيقة لتضيف بعدًا جديدًا إلى تاريخ جدة، ليس بوصفها مدينة للحجاج فحسب، بل بوصفها أيضًا ساحة تلاقت فيها المصالح العثمانية والاستعمارية والدولية، وانعكس ذلك على عمرانها ومرافقها العامة، لتبقى هذه الرسومات الهندسية شاهدًا حيًا على مرحلة مهمة من تاريخ المدينة.
