العمارة على المدافن بين الميزان والفرعون

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

حين يقف الزائر أمام أهرامات الجيزة ويسمع المرشد السياحي يقول: «هنا دُفن الفرعون»، فإنه لا يسمع عبارة عابرة، بل وصفًا لوظيفة هذا البناء العظيم. فالأهرامات لم تُشيد لتكون قصورًا يسكنها الملوك، وإنما أُقيمت لتكون عمارة جنائزية فوق المدافن، حتى أصبح القبر نفسه مشروعًا معماريًا هائلًا. وهنا يبرز سؤال يتجاوز التاريخ والآثار إلى فلسفة العمران نفسها: متى يتحول البناء من نعمة إلى اختلال في الميزان؟

لقد بلغت الحضارة الفرعونية منزلة رفيعة في الهندسة والبناء، ولا ينكر ذلك منصف، لكن القرآن الكريم لا يقيس الحضارات بارتفاع صروحها، وإنما يزنها بمقاصدها. فالميزان الإلهي لا يسأل: كم بلغ ارتفاع البناء؟ بل يسأل: لماذا بُني؟ ولأي غاية؟

ومن هنا يلفت القرآن النظر إلى مشهد بالغ الدلالة، حين قال فرعون في معرض مكابرته لنبي الله موسى عليه السلام: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ۝ لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ ۝ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: 36-37]. فالصرح لم يكن مشروعًا لإعمار الأرض، وإنما كان وسيلة لتوظيف العمارة في خدمة الكبر ومحادة الحق وتضليل الناس. ولذلك لم يذم القرآن البناء، وإنما كشف فساد الغاية التي أُقيم من أجلها.

وهنا يظهر مفهوم الميزان؛ فالعمارة في ذاتها ليست مذمومة، بل هي من أعظم وسائل الاستخلاف في الأرض، غير أن اختلال الميزان يبدأ عندما تتحول من وسيلة لخدمة الإنسان إلى وسيلة لتعظيم الإنسان، أو لتخليد سلطانه، أو لصناعة الوهم، أو لمنافسة الحق.

ومن هذا المنظور يمكن القول إن تحويل القبر إلى معلم معماري عظيم يحمل بعدًا فرعونيًا واضحًا؛ إذ جعلت الحضارة الفرعونية العمارة الجنائزية جزءًا من فلسفة الخلود وتعظيم الحاكم بعد موته، حتى أصبحت الأهرامات أشهر شاهد على هذا التصور. وليس المقصود بذلك أن كل بناء على قبر يرجع تاريخيًا إلى مصر القديمة، وإنما المقصود أن الفكرة التي تجعل القبر محورًا لمشروع عمراني ضخم تمثل إحدى أبرز سمات الفكر العمراني الفرعوني.

وفي ضوء فكر الميزان، فإن القضية ليست قضية حجر، وإنما قضية مقصد. فالبيت إذا بُني للسكن فهو عمران موزون، والمسجد إذا بُني لعبادة الله فهو عمران موزون، والمدرسة إذا بُنيت لنشر العلم فهي عمران موزون، والمستشفى إذا بُني لحفظ النفس فهو عمران موزون. أما إذا أصبح البناء وسيلة لتعظيم الأشخاص، أو لتخليد الأجساد، أو لإضفاء القداسة على البشر، فقد خرج العمران عن وظيفته، وبدأ الميزان يختل.

إن الحضارات لا تُقاس بما تركته من أحجار، وإنما بما تركته من قيم. فقد تبقى الأبنية آلاف السنين، بينما يغيب أصحابها، ويبقى السؤال الذي يطرحه القرآن على كل عمران: هل كان هذا البناء في خدمة الحق، أم في خدمة الطغيان؟

ولعل هذا هو الدرس الذي يجمع بين الأهرامات وصرح فرعون؛ فكلاهما يكشف أن العمارة إذا انفصلت عن مقصدها تحولت إلى شاهد على اختلال الميزان. فالأحجار لا تمنح الخلود، والصروح لا تبلغ السماء، والإنسان لا يخلده إلا عمله الصالح، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، وقال سبحانه: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ ۝ وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾.

ومن هنا فإن فكر الميزان يقرر قاعدة يمكن أن تُقرأ في التاريخ كما تُقرأ في الواقع: ليس كل عمران إعمارًا، فقد يكون العمران نفسه صورةً من صور الخراب إذا اختل مقصده. وكلما تعاظم البناء على حساب المعنى، وانتقل الاهتمام من عمارة الإنسان إلى تعظيم الحجر، كان ذلك مؤشرًا على بداية اختلال الميزان، مهما بلغت الحضارة من القوة والإبداع الهندسي.

إن الميزان الذي وضعه الله للكون لا يعادي الحضارة، ولا يقف ضد العمارة، وإنما يعيدها إلى وظيفتها الحقيقية؛ أن تكون وسيلة لإقامة العدل، وخدمة الإنسان، وعمارة الأرض، لا وسيلة لصناعة الطغيان أو تخليد الإنسان. وهذه هي الرسالة التي يقرؤها المتدبر في قصة فرعون، كما يقرؤها وهو يقف أمام الأهرامات، ليدرك أن الأبنية العظيمة قد تبقى، لكن الذي يبقى عند الله حقًا هو العمل الصالح والميزان المستقيم.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *