قصة هزمت الشهوة.. أبو محجن فارس القادسية التائب

كتب دكتور/ شريف الجندي

أبو محجن**، عاش حياته يطلب الملذات، وكان شديد الولوع بشرب الخمر، لدرجة أنه جُلد فيها مرارًا وتكرارًا، لكنه لم يكن يقوى على تركها، وكان يقول في شعره بيته المشهور:

إِذا مِتُّ فَاِدفِنّي إِلى أَصلِ كَرمَةٍ … تُرَوّي عِظامي بَعدَ مَوتي عُروقُها

القيد والنداء

دارت الأيام، وجاءت **معركة القادسية** العظيمة بقيادة **سعد بن أبي وقاص** -رضي الله عنه-. ولسوء حظ أبي محجن، سُجن في القصر واقتيد بالحديد بطلب من سعد بسبب شربه الخمر مجددًا، وحُرم من المشاركة في الجهاد.

بدأت المعركة، واشتد وطيسها، وكان أبو محجن يرى المسلمين من نافذة محبسه في القصر وهم يواجهون الفرس، ويسمع صليل السيوف وصهيل الخيل. اشتعلت في قلبه غيرة الدين، وضاق صدره بالقيد، فكيف يجلس حبيسًا والمسلمون يبيعون أنفسهم لله؟

بدأ يرسف في قيوده ويبكي بحرقة، وينشد بحسرة:

> كَفَى حَزَنًا أَنْ تُرْدَى الْخَيْلُ بِالْقَنَا … وَأُتْرَكَ مَشْدُودًا عَلَيَّ وَثَاقِيَا

> إِذَا قُمْتُ عَنَّانِي الْحَدِيدُ وَأُغْلِقَتْ … مَصَارِيعُ دُونِي تَعْمِيَ النَّاقِدَ الْوَانِيَا

##🔶 العهد والتحرير

لم تطق زوجة سعد بن أبي وقاص، **سلمى بنت حفص**، رؤية هذا المنظر، فرقّ قلبها لبكائه الشديد. فناداها أبو محجن واستحلفها بالله وقال لها:

“أطلقيني وأعيريني فرس سعد (البلقاء)، وعهدٌ عليّ أمام الله، إن سلّمني الله، أن أرجع حتى تضعي الحديد في رجليّ مجددًا، وإن قُتلت فقد استرحتم مني.”

وثقت سلمى بعهده، ففكت قيد وأعطته الفرس، فخرج كالسهم يشق صفوف المعركة.

##🔶 الفارس المجهول

انطلق أبو محجن في ميدان المعركة كالإعصار، يكبّر ويضرب بيمينه وشماله، ولا يقف أمامه أحد من الفرس إلا رداه قتيلًا.

كان سعد بن أبي وقاص يرقب المعركة من فوق قصره (وكان وعكًا لا يستطيع الركوب)، فتعجب شديدًا من هذا الفارس الباسل، وقال متعجبًا:

> 🔶”الضرب ضرب أبي محجن، والكرّ كرّ البلقاء (فرسي)، وأبو محجن في القيد والبلقاء في المربط!”

#🔶# توبة صادقة لا رجعة فيها🔶

انتهت المعركة بانتصار المسلمين، ووفى أبو محجن بعهده؛ عاد سرا إلى القصر ووضع رجليه في الحديد كما كان.

حين علم سعد بالقصة كاملة من زوجته، وعلم أن هذا البطل المجهول لم يكن سوى أبي محجن، تأثر تأثرًا شديدًا، وأقبل عليه يفك قيوده بيده وقال له: **”والله لا جلدتك في الخمر أبدًا!”**

هنا، اهتزت نفس أبي محجن بعفو القائد وكرم الله، ونظر إلى السماء وقال وعيناه تفيضان بالدموع:

> **🔶”وأنا والله لا أشربها أبدًا.. كنت أشربها وأنا أظن أن الحدّ يطهرني منها، أما إذ برأتني منها، فوالله لا تطعمها شفتي بعد اليوم.”**

فكانت توبةً نصوحًا صادقة، تحول بها من حليف للخمر إلى بطلٍ من أبطال الإسلام 🔶

فاللهم تب علينا فنتوب قولوا آمين

كان أبو محجن الثقفي من فرسان المسلمين وشعرائهم، وقد عُرف قبل توبته بشدة تعلقه بشرب الخمر، وأقيم عليه حد الخمر أكثر من مرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب.

ومن أشهر ما نُسب إليه قوله:

إذا متُّ فادفنّي إلى أصلِ كرمةٍ

تُروّي عظامي بعد موتي عروقُها

وقد ذكر العلماء أن هذا الشعر قاله في فترة إدمانه للخمر، ولا يُحتج به على حاله بعد ذلك.

أما أشهر ما يُذكر عنه فهو توبته العظيمة في معركة القادسية، إذ كان محبوسًا بسبب شرب الخمر، فلما اشتد القتال استأذن زوجة قائد الجيش سعد بن أبي وقاص أن تطلقه ليقاتل، وتعهد أن يعود إلى قيده إن بقي حيًا. فقاتل قتالًا شديدًا حتى ظن الناس أن فارسًا من الملائكة يقاتل معهم، ثم عاد بنفسه إلى القيد وفاءً بوعده.

فلما علم سعد بما صنع، قال: “والله لا أجلدك على الخمر أبدًا.” فقال أبو محجن: “وأنا والله لا أشربها أبدًا.” فكانت تلك توبة صادقة، ولم يُعرف عنه أنه عاد إليها بعد ذلك.

لذلك فإن ذكر بيته الشعري ينبغي أن يكون مع بيان أنه قاله قبل توبته، وأن خاتمة سيرته كانت بالتوبة والجهاد والوفاء، وهي التي يُقتدى بها أكثر من مرحلة ضعفه الأولى.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *