كتب الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
من أخطر ما يواجه الباحث في التاريخ الإسلامي أن تتحول القضايا التي حسمتها المصادر والوثائق إلى موضوعات يتناولها بعض الناس بالإنكار المجرد، دون الرجوع إلى كتب السيرة، أو مؤلفات مؤرخي مكة، أو الوثائق الشرعية، أو الدراسات الأكاديمية. ومن أبرز الأمثلة على ذلك موضع دار مولد النبي صلى الله عليه وسلم ودار السيدة خديجة رضي الله عنها، حيث أصبح بعض المتعجلين يصف كل ما يتعلق بهما بأنه “أسطورة” أو “كذب”، مع أن هذه القضية تعد من أكثر القضايا توثيقًا في تاريخ مكة المكرمة.
إن معرفة موضع ولادة النبي صلى الله عليه وسلم لم تقم على رواية متأخرة أو خبر آحاد، وإنما قامت على تواتر علمي ومحلي امتد منذ القرن الثالث الهجري إلى عصرنا الحاضر. فقد نقل أصحاب السيرة المتأخرون ما أثبته الصحابة والتابعون ومن بعدهم، فكان النقل فيها عن الثقات عن الثقات عن الثقات، وهي الطريقة نفسها التي حفظت بها السنة النبوية، ولذلك استند إليها كبار علماء السيرة، كابن عبد البر، والسهيلي، والمقريزي، والصالحي الشامي، وغيرهم.
ولم تقف القضية عند كتب السيرة، بل أفرد لها مؤرخو مكة مساحة واسعة في مؤلفاتهم، ابتداءً بشيخ المؤرخين المكيين الأزرقي في القرن الثالث الهجري، ثم الفاكهي، ثم الفاسي، وابن ظهيرة، والنهروالي، والسنجاري، والغازي، والحضراوي، وابن الصباغ، والطرابلسي، والشيخ عاتق البلادي، حتى أصبحت معرفة هذا الموضع جزءًا من الذاكرة العلمية لمكة عبر أكثر من ألف عام.
وقد لخّص معالي الأستاذ الدكتور عبدالوهاب إبراهيم أبو سليمان، عضو هيئة كبار العلماء، هذه الحقيقة بقوله إن موضع المولد الشريف ثبت بالتواتر العلمي والمحلي وتطابقهما، ثم قرر قاعدة تاريخية بديعة فقال:
“من مسلمات التاريخ الإسلامي أن عائلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أشرف العائلات القرشية وأرفعها مكانة، وكان مقر إقامتهم شعب بني هاشم، وكان لمواليدهم أهمية خاصة، وفي مقدمتهم محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، وليسوا بالمجهولين حتى يجهل مكان ولادتهم، وإنما يجهل مكان ولادة الأشخاص المغمورين.”
وهذه ليست مجرد وجهة نظر، بل هي منهج في قراءة التاريخ؛ إذ إن الشخصيات التي غيّرت مجرى التاريخ لا تضيع آثارها بهذه السهولة، خصوصًا إذا اجتمع على نقلها العلماء وأهل البلد جيلاً بعد جيل.
ثم جاء التواتر المحلي ليعزز هذا النقل العلمي. فقد وثقت المحكمة الشرعية الكبرى بمكة المكرمة في صكها رقم (140) بتاريخ 25 جمادى الآخرة 1373هـ موضع المولد الشريف، ولم تطلب إقامة شهود لإثباته، لأن القاضي أثبت في صكه أنه:
“المعروف بمولد النبي صلى الله عليه وسلم بشعب علي بمحلة سوق الليل، الشهير في محله شهرةً تامة تغني عن تحديده ووصفه.”
وهذه العبارة القضائية من أبلغ ما يمكن أن يستشهد به في هذا الباب؛ فهي تعني أن شهرة الموضع بلغت حد الاستفاضة العامة التي أغنت عن إقامة البينة، وهو ما يعرف عند الفقهاء بالتواتر العملي والمحلي.
ولم يكن هذا الموقف القضائي منفصلًا عن موقف الدولة السعودية في عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود رحمه الله، بل كان امتدادًا له. فقد تعرضت دار مولد النبي صلى الله عليه وسلم ودار السيدة خديجة رضي الله عنها للهدم في بدايات دخول القوات إلى مكة المكرمة، وهو ما أثار استياءً واسعًا في العالم الإسلامي، حتى تشكلت لجنة ضمت علماء من مصر وعدد من الدول الإسلامية بأمر من سلطان نجد لدراسة القضية.
وانتهت اللجنة إلى ضرورة إعادة الاعتبار للموقعين، فجاء قرار الملك عبدالعزيز بعد استشارة كبار العلماء قرارًا بالغ الحكمة؛ إذ لم يجعل الموقعين موضعًا للمظاهر الاحتفالية، ولم يتركهما عرضة للاندثار، وإنما حولهما إلى مؤسستين تخدمان العلم والدين.
فعهد إلى الشيخ عباس يوسف قطان بتنفيذ المشروع، فأنشئت مكتبة مكة المكرمة في موضع دار عبدالله وآمنة، والدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو البيت الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما أعيد بناء دار السيدة خديجة رضي الله عنها، وهي الدار التي عاش فيها النبي صلى الله عليه وسلم مع أم المؤمنين خديجة، وتنزل فيها الوحي، ورزقا فيها أبناءهما وبناتهما، وكان آخرهم مولدًا السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها، ثم جعلت الدار مدرسةً لتحفيظ القرآن الكريم، ليظل المكان مرتبطًا بالوحي والعلم والقرآن كما كان في صدر الإسلام.
وقد سجل الدكتور عبدالوهاب أبو سليمان هذا الموقف التاريخي للملك عبدالعزيز فقال:
“يأتي الملك عبدالعزيز آل سعود رحمه الله تعالى في السلسلة المباركة لولاة مكة المكرمة الذين حافظوا عليه أثرًا إسلاميًا خالدًا.”
كما سجل التاريخ للسيدة فاطمة يوسف قطان، وشقيقها الشيخ عباس يوسف قطان، فضل إعادة بناء الموقعين، إذ بذلت من مالها لإقامة مكتبة مكة المكرمة، بينما خصصت دار السيدة خديجة لتحفيظ القرآن الكريم، فاجتمع في المشروع الحفاظ على الذاكرة التاريخية، وخدمة العلم، وتعظيم القرآن الكريم.
ومن الشواهد المهمة أيضًا أن أحد الحجاج المصريين من دمنهور وثق بعدسته هدم الدارين في تلك المرحلة، لتصبح تلك الصور شاهدًا بصريًا على الحدث، قبل أن يعاد إعمار الموقعين في عهد الملك المؤسس.
إن اجتماع مدونات السيرة، وكتب تاريخ مكة، والتواتر المحلي، والصكوك الشرعية، والقرار الرسمي للدولة السعودية، وشهادات كبار الباحثين، والصور التاريخية، يجعل هذه القضية من أوثق القضايا التاريخية في مكة المكرمة.
ولهذا فإن الإنكار المجرد، أو إطلاق كلمة “كذب” في وسائل التواصل، لا ينهض أمام هذا البناء العلمي المتين. فالتاريخ لا يُهدم بتعليق عابر، كما لا يُبنى برأي شخصي، وإنما يقوم على الوثيقة، والنص، والتواتر، والتحقيق العلمي.
وإذا كان الباحثون يختلفون أحيانًا في تحديد مواضع بعض الأحداث التاريخية، فإن موضع دار المولد ودار السيدة خديجة يختلف عن ذلك؛ لأنه لم يثبت بخبر واحد، وإنما بحفظ الأمة له عبر القرون، وبإقرار علمائها، وباعتماد قضائها، وبقرار قادتها. ومن هنا فإن الواجب العلمي ليس إنكار هذا التراث، وإنما دراسته بعين الباحث، وإنصافه بالوثيقة، واحترام الجهد الذي بذله علماء مكة ومؤرخوها في حفظ ذاكرة الرسالة المحمدية للأجيال.