سؤالي هو: إذا قررت التوقف عن غسيل الكلى، فهل يُعتبر ذلك انتحارًا؟

الدكتور/ فهد بن محمد بن حمد السليِّم 

عميد كلية أصول الدين سابقاً 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

هاك الله

كيف حالك يا شيخ؟

أرجو أن تكون بخير.

حفظك الله عز وجل. آمين يا رب

لديّ أخ من أوروبا لديه سؤال. هل يمكنك الإجابة عليه يا شيخ وسأرسله إليه؟

جزاكم الله خيرًا

السلام عليكم

أمرّ حاليًا بظروف صعبة، وذهني مُرهَق للغاية.

سؤالي هو: إذا قررت التوقف عن غسيل الكلى، فهل يُعتبر ذلك انتحارًا؟

أيضًا، إذا قررتُ عدم إجراء عملية جراحية في ساقي لتركيب أنبوب غسيل الكلى، لأن ذلك سيُقيّد حركتي، ويُعرّضني لخطر العدوى لقربه من مكان جلوسي على المرحاض، وربما لن أتمكن من الاقتراب من زوجتي أبدًا لأن ذلك سيُعيقني، فهل يُعتبر ذلك انتحارًا أيضًا إذا رفضتُ ذلك، مع العلم أنه خياري الوحيد للبقاء على قيد الحياة؟

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. أهلاً بك يا أخي الكريم، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفي أخاك، وأن يربط على قلبه، وأن يفرّج كربه، ويعظم له الأجر والمثوبة في هذا البلاء والامتحان العظيم.

هذه المسألة الدقيقة تجمع بين الجانب الطبي والشرعي والنفسي، والقول الراجح والفتوى الرسمية المستندة لقرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي وهيئات الإفتاء الكبرى هي:

أن التوقف عن غسيل الكلى أو رفض العملية الجراحية اللازمة له في هذه الحالة لا يُعتبر انتحاراً، ولكن يختلف حكمه بين الوجوب والاستحباب بحسب تقدير الأطباء ونسبة الفائدة.

وإليك التفصيل الفقهي والتوجيه النفسي الذي يمكنك نقله لأخيك لتخفيف عبء هذا القرار عن ذهنه المرهق:

حكم رفض العلاج أو التوقف عن غسيل الكلى:

ليس انتحاراً: الانتحار هو إزهاق الشخص روحه عمداً بفعلٍ قاتل (كتناول السم أو الاعتداء على النفس).

أما ترك العلاج أو غسيل الكلى فهو من باب “ترك التداوي”، والترك لا يُعد انتحاراً في الشريعة حتى لو أدى للوفاة.

حكم التداوي في الإسلام: الأصل في التداوي عند جمهور العلماء أنه مستحب ومشروع وليس بواجب؛ لأن الشفاء بيد الله، والعلاج مجرد سبب.

متى يكون واجباً؟

يكون غسيل الكلى أو العملية واجباً على المريض إذا قرر الأطباء الثقات أن هذا العلاج مقطوع بفائدته (أي يرجى برؤه تماماً أو يطيل العمر بإذن الله بوضوح) وأن تركه يؤدي إلى هلاك محقق سريع، مع قدرة المريض على تحمله دون مشقة تفوق طاقته البشرية.

متى يجوز تركه؟ إذا كان المريض يعاني من مشقة بالغة تفوق طاقته النفسية والبدنية، أو كانت جودة حياته ستتضرر بشكل حاد جداً، أو كانت العملية مجرد تأجيل مؤقت للمرض مع استمرار المعاناة الشديدة، فيجوز له شرعاً رفض العملية أو التوقف عن الغسيل، ويُعتبر في هذه الحالة مفوضاً أمره إلى الله، راضياً بقضائه، ولا إثم عليه ولا يُعد عاصياً ولا منتحراً.

معالجة مخاوفه الطبية (الأنبوب في الساق):

المخاوف التي ذكرها أخوك (العدوى من المرحاض، قيود الحركة، العلاقة الزوجية) هي مخاوف منطقية ومفهومة جداً لشخص يمر بهذه المعاناة.

وهنا بعض النقاط لمساعدته:

استشارة طبيب ثانٍ :

تركيب أنبوب غسيل الكلى (القسطرة أو الوصلة الشريانية) عادة ما يكون في الرقبة، أو الصدر، أو اليد (الذراع). تركيبها في الساق هو خيار يلجأ إليه الأطباء في حالات خاصة جداً عند تعذر الأماكن الأخرى.

لذا، يُنصح بشدة أن يعرض حالته على طبيب كلى وأوعية دموية آخر للبحث عن مكان بديل لا يقيد حركته ولا يقترب من أماكن التلوث.

الحلول التمريضية: إذا كان الساق هو الخيار الوحيد طبيعياً، فإن هناك أغطية بلاستيكية واقية ومقاومة للماء والعدوى تُستخدم أثناء استخدام المرحاض أو الاستحمام، كما أن القيود الحركية والعلاقة الزوجية يمكن التكيف معها وتنظيمها بعد التئام الجرح واستقرار الحالة، وليست عائقاً دائماً كما يتصور الآن تحت ضغط الإرهاق الذهني.

رسالة أمل وتوجيه لأخيك:

يا أخي الكريم، قل لأخيك إن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده، لا يكلف نفساً إلا وسعها. ما يمر به من تفكير وإرهاق هو نتيجة طبيعية للمرض المزمن وضغوطه النفسية.

لا تتعجل القرار: ننصحه بألا يتخذ قرار التوقف فوراً وهو في حالة الإرهاق الذهني الحالي.

خذ هدنة: ليتحدث مع طبيبه المعالج بصراحة عن مخاوفه (الحركة، العدوى، الزوجة)، فلعل لدى الفريق الطبي حلولاً أو بدائل لم تخطر بباله (مثل الغسيل البريتوني المنزلي، أو أماكن أخرى للوصلة).

الدعم النفسي: يحتاج في هذه المرحلة إلى دعم زوجته وعائلته، والحديث مع إخصائي نفسي لمساعدته على تجاوز صدمة الخيارات الطبية الصعبة.

منقول

وفق الله الجميع

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *