الاغتراب المعياري في قراءة المجتمع

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

قرأت ما كتبه الدكتور أسامة حمدي عن زيارته الأخيرة لمصر، وما سجله من ملاحظات حول العقارات، والطبقية، والمرور، واللغة، ووسائل التواصل، والخرافة، وتراجع بعض القيم الاجتماعية، وهي ملاحظات لا يصح رفضها لمجرد قسوة بعض عباراتها، كما لا يصح قبولها على إطلاقها بوصفها وصفًا نهائيًا لمجتمع كامل.

فالذي يستوقفني في المقال ليس فقط ما قاله الكاتب عن مصر، وإنما الموقع الذي أصبح ينظر منه إلى مصر.

الدكتور أسامة حمدي ابن المجتمع المصري، لكنه عاش سنوات طويلة داخل بيئة أمريكية أكاديمية ومهنية واجتماعية مختلفة، وانتقل بحكم مسيرته العلمية والعملية إلى موقع اجتماعي جديد، له معاييره في النظر إلى المدينة، والتعليم، والنظام، والطبقة، واللغة، والسلوك العام.

ومن هنا تنشأ مسألة فكرية يمكن تسميتها بـ الاغتراب المعياري.

والمقصود به أن يظل الإنسان متعلقًا بوطنه في الذاكرة والعاطفة، بينما تكون المعايير التي يقيس بها هذا الوطن قد تشكلت في بيئة أخرى. فيعود إلى بلده وهو يحمل صورتين مختلفتين في داخله: صورة مصر التي عرفها قديمًا، وصورة المجتمع الجديد الذي صار يعيش فيه ويقيس الأشياء من خلاله.

وعندئذ لا تكون المقارنة بين مصر القديمة ومصر الجديدة فقط، بل بين ماضٍ محفوظ في الذاكرة وواقع جديد أصبح هو المرجع غير المعلن للحكم.

ولهذا قد تبدو بعض الظواهر أكثر حدة في عين العائد مما تبدو في عين من عاش تطورها من داخل المجتمع نفسه.

ولا يعني هذا أن مصر لم تتغير، أو أن ما ذكره الكاتب غير موجود؛ ففي المجتمع المصري، كغيره من المجتمعات، تحولات اقتصادية واجتماعية وثقافية حقيقية، وفيه مشكلات في المرور والتعليم والإعلام والاستهلاك والمظاهر الطبقية، وهذه مسائل تستحق النقد والمراجعة.

لكن المقال انتقل في مواضع كثيرة من تسجيل الظاهرة إلى إصدار حكم واسع على المجتمع.

فحين يقال إن «طبقة صغيرة تملك كل شيء»، وإن بقية الشعب إما يتطلع إليها أو يخدمها أو يحقد عليها، فإننا لا نكون أمام ملاحظة عابرة، بل أمام تفسير اجتماعي كامل لبنية المجتمع.

وحين يوصف انتشار الكذب والجشع والاحتيال والنفاق بأنه أصبح من «المسلمات اليومية»، فإن اللغة تتجاوز النقد الجزئي إلى تعميم أخلاقي يحتاج إلى قدر أكبر من التحفظ.

وهنا يظهر أثر الاغتراب المعياري بوضوح؛ لأن الإنسان قد يبدأ في رؤية مجتمعه الأول من خارجه، لا من داخله.

ومما يعزز هذه القراءة أن الكاتب يعيش في مجتمع رأسمالي هو الآخر، وفيه تفاوت طبقي كبير، وعقارات فاخرة، وتعليم نخبوى، وجامعات شديدة الكلفة، وثقافة استهلاكية واسعة، واستعمال كامل للإنجليزية، ومع ذلك فإن وجود هذه الظواهر هناك لا يتحول بالضرورة إلى حكم بانهيار المجتمع الأمريكي أخلاقيًا.

ومن هنا يحق لنا أن نسأل: هل المشكلة في الظاهرة نفسها، أم في المكان الذي تظهر فيه؟ وهل نستخدم المعيار نفسه في الحكم على المجتمع الذي نعيش فيه والمجتمع الذي جئنا منه؟

وهذا ليس اتهامًا بالتناقض، وإنما دعوة إلى توحيد المعيار.

فالطبقية لا تصبح مذمومة لأنها في القاهرة فقط، كما أن الرأسمالية لا تصبح طبيعية لأنها في بوسطن أو نيويورك.

ثم إن المقال يحمل، إلى جانب النقد الاجتماعي، نفسًا سياسيًا ومؤسسيًا واضحًا وإن جاء في صيغة غير مباشرة.

فالكاتب يتحدث عن «دولة مهووسة بالعقارات»، وعن «عجز شبه تام» في تنظيم المرور، وعن غياب التوجيه الإعلامي، وانهيار دور المدرسة، واتساع الفوارق الاجتماعية.

وهذه العبارات لا تحمل الناس وحدهم مسؤولية ما يحدث، بل تشير ضمنًا إلى أن هناك قصورًا في إدارة التحول الاجتماعي، وأن الجهات الرسمية لم تستطع ـ في نظر الكاتب ـ الحد من تآكل الطبقات أو حماية التوازن الاجتماعي.

وبذلك يصبح عنوان «ثورة الأخلاق» أضيق من مضمون المقال نفسه.

فالمقال في حقيقته لا يتحدث عن الأخلاق وحدها، بل عن نموذج تنموي واجتماعي يرى الكاتب أنه أنتج تقدمًا ماديًا وعمرانيًا، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في حماية التوازن الطبقي، أو تقوية مؤسسات التربية، أو ضبط المجال العام.

ومن هنا يمكن فهم رسالته المبطنة: أن المشكلة ليست أن الناس تغيروا أخلاقيًا فحسب، بل أن مؤسسات الدولة والمجتمع لم تنجح في إدارة هذا التغير.

لكن هنا أيضًا ينبغي الحذر من اختزال المسألة كلها في الدولة.

فما يعيشه العالم اليوم من سيطرة العقار والاستهلاك ووسائل التواصل واللغة الإنجليزية وثقافة الصورة والترند ليس ظاهرة مصرية خالصة، وإنما جزء من تحول عالمي واسع، أنتجته الرأسمالية الجديدة، والعولمة، والتقنية، والاقتصاد الرقمي.

ولذلك فإن تحميل مصر وحدها وزر هذه التحولات يجعل التشخيص أقل دقة.

كذلك فإن مقارنة الحاضر بماضٍ محفوظ في الذاكرة أمر يحتاج إلى حذر؛ فالذاكرة البشرية بطبيعتها تنتقي، وتجمّل بعض الأزمنة السابقة، وتحتفظ بصور معينة من الطفولة والشباب، بينما تغيب عنها مشكلات تلك الفترات نفسها.

ولهذا قد يكون بعض الحنين إلى «مصر التي عرفناها» حنينًا إلى مرحلة عمرية بقدر ما هو حنين إلى مرحلة تاريخية.

وهذا ما يجعل سؤال المقال الحقيقي أعمق من أن يكون: ماذا حدث لمصر؟

السؤال الأهم هو: ماذا حدث لمصر، وماذا حدث في الوقت نفسه لمن غادرها ثم عاد إليها بعد أن تغير موقعه الاجتماعي والثقافي؟

إن من سبقوا إلى الغرب من رواد العلم والفكر في العالم العربي عاد كثير منهم إلى مجتمعاتهم وهم يحملون خبراتهم الجديدة، لكنهم سعوا إلى فهم مجتمعاتهم من داخلها، والاشتباك مع مشكلاتها بلغتها وظروفها، لا مجرد قياسها بنموذج خارجي.

وهذا لا يعني أن كل من عاش في الغرب يصاب بالاغتراب، ولكنه يذكرنا بأن العودة إلى الوطن ليست عودة جسدية فقط، بل تحتاج أيضًا إلى وعي بالمنظار الذي نعود به.

فالإنسان قد يعود إلى المكان نفسه، لكنه لا يعود الشخص نفسه.

ومن هنا فإنني أقدّر غيرة الدكتور أسامة حمدي على مصر، وأرى في مقاله أسئلة مهمة تستحق النقاش، لكنني أقرأه أيضًا بوصفه نموذجًا لما أسميه الاغتراب المعياري: أن يحكم الإنسان على مجتمعه القديم من خلال منظومة قيم ومعايير أعادت صياغتها تجربته الجديدة.

ولا يعيب الإنسان أن تتغير معاييره، فالتجربة الإنسانية بطبيعتها تغيرنا، ولكن الإنصاف يقتضي أن ندرك هذا التغير ونحن نصدر الأحكام على المجتمعات.

فقد تكون بعض أزمة الوطن في الوطن نفسه، وقد يكون بعض ما نراه أزمة ناتجًا أيضًا عن المسافة التي أصبحت تفصلنا عنه.

وهذا هو الفرق بين أن ننقد المجتمع من داخله، وأن ننظر إليه بعد أن أصبحنا ـ من حيث لا نشعر ـ نقيسه بمنظار آخر.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *