” عميد م هيثم سعد الدين علي الدق” قبل أن نعلمهم لغات العالم.. كيف نزرع الوطن في وجدان أبنائنا؟

كتب / عميد م هيثم سعد الدين علي الدق

تخوضُ المجتمعاتُ المعاصرة معركةً صامتةً في مضمار التربية؛ معركةٌ ينحصرُ فيها طموحُ كثيرٍ من أولياء الأمور في سباقٍ نحو المظاهر الأكاديمية، يُقاس فيه نجاحُ الطفل بمدى قدرته على النطق بكلماتٍ أجنبية في سنٍّ مبكرة، أو حشد أكبر قدرٍ من اللغات في حصيلته اللغوية.

ولكن وسط هذا الانباهر بشكليات العصر، يبرز سؤالٌ جوهريٌّ يصنع الفارق بين النماء الزائف والبناء الراسخ: هل تكفي اللغاتُ وحدها لتربية إنسانٍ ينتمي لأرضه ويصنع مستقبلها؟ إن التسلح بالعلوم واللغات أمرٌ محمود وضروري لمواكبة العصر، لكن الخلل يكمن في اختزال مفهوم التربية في “المحصلة اللغوية” على حساب الهوية.إن إتقان لغات العالم دون غرس عقيدة حب الوطن يُنتج أجيالاً تتكلم بلسانٍ متعدد،

لكنها تغتربُ بوجدانها عن مجتمعها، وتنظرُ لتراب وطنها بعيونٍ خالية من الانتماء. حبُّ الوطن ليس مجرد مشاعر معنوية أو شعارات تُرَدَّدُ في المناسبات، بل هو البوصلة الأخلاقية والدافع الأساسي الذي يُوجّه مهارات الطفل وقدراته في المستقبل، ليجعل من علمه سلاحاً لبناء مجتمعه بدلاً من أن يكون تذكرة للهروب منه.تؤكد الحقائق التربوية والنفسية أن مرحلة الطفولة المبكرة . وتحديداً سنوات الحضانة والتعليم الأساسي .

هي الفترات الحاكمة التي يُشَكَّل فيها البناء الفسيولوجي والفكري للطفل. في هذه المرحلة الذهبية، يمتلك الدماغ أعلى مستويات المرونة والقدرة على الامتصاص، وتتكون الخريطة العقلية والنفسية التي تُسيّر الإنسان بقية حياته. إن ما يُغرس في وجدان الطفل خلال هذه السنوات يذوب في تكوينه، فيتحول حب الوطن من “مفهومٍ نُعلمه إياه” إلى “دافعٍ غريزيّ يُحرّكه”.ولا يكتمل هذا البناء الوجداني إلا بتجذير الوعي التاريخي؛ لأنّ أمّةً لا تقرأ تاريخها لا تستطيع صناعة مستقبلها. يظلُّ تاريخُ الدولة المضيء وسِجِلُّ بطولات القوات المسلحة الحصنَ الأقوى لوعي النشىء وأمنهم الفكري.

إنّ حكايات وبطولات خوض المعارك الشريفة وصنع الانتصارات الخالدة . وفي مقدّمتها نصر أكتوبر المجيد الذي حطّم الأوهام وأعاد للوطن عزته وكرامته واستردّ أرضه .ليست مجرد صفحاتٍ تُطوى في كتب التاريخ، بل هي ملاحمُ عزّةٍ كُتبت بدماء رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه. عندما نروي للطفل كيف استبسل أبطالُ جيشنا الباسل في التضحية والفداء، فإننا نزرع في عقله ونفسه في سنوات تشكيله الأولى مفهوم “القدوة الحقيقية”، وننمي لديه روح الشجاعة والفخر بكونه ينتمي لأمةٍ عريقة تخسأ أمام إرادتها الصعاب، ليتعلم أنّ الحفاظ على هذا الوطن مجدٌ يُورَث، ورسالةُ شرفٍ يتسلّمها جيلٌ بعد جيل.وهنا يتجلى دور التوعية الشاملة؛ فالولاء لا يُبنى بالكلمات الإنشائية فقط، بل بالربط الحقيقي بين الطفل وأرضه عبر المعرفة الواعية بإنجازات الدولة ومعالم نهضتها الحديثة. وتاريخها . عندما يرى الطفل بعينيه كيف تتجسد المشروعات القومية، وكيف تُبنى المدارس والمستشفيات وطرق المستقبل، يتحول الانتماء لديه من مجرد عاطفة مجردة إلى اعتزازٍ مستندٍ إلى حقائق، ويدرك أن ما يتحقق اليوم هو ثمرة جهدٍ يفرض عليه مسؤوليّة استكماله غداً.

لمشاهدة الحلقة اضغط على الرابط التالي 

https://sharkia-news.com/?p=345111

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *