كتب دكتور/ شريف الجندي
في صفحات حرب أكتوبر المجيدة، لم تكن البطولة حكرًا على أصحاب الرتب الكبيرة، وإنما صنعتها أيضًا أسماء لمقاتلين بدأوا حياتهم العسكرية مجندين، ثم فرضوا كفاءتهم ومهارتهم في ميادين القتال، ليصبحوا جزءًا من ملحمة العبور والنصر.
ومن بين هذه الأسماء يبرز اسم مفتاح إسرافيل الجالي رحيم الشرصي، أحد أبناء مدينة سيدي براني بمحافظة مطروح، الذي تحولت مهارته الاستثنائية في الرماية إلى قصة بطولية ارتبطت بأيام حرب أكتوبر 1973.
وُلد مفتاح إسرافيل الجالي في 28 مايو 1952 بقرية أبو سطيل التابعة لسيدي براني، وكان والده يعمل ملاحظ أوبئة بمستشفى براني، وشجعه على الالتحاق بالقوات المسلحة، فانضم إلى الخدمة العسكرية في 4 مايو 1972.
من سيدي براني إلى الجبهة
بعد التحاقه بالقوات المسلحة، جرى توزيعه على سلاح المدفعية، وانتقل إلى الجبهة على خط قناة السويس، حيث التحق بإحدى كتائب المدفعية التابعة للواء 149 بالمنطقة الرئيسية للجيش الثالث الميداني.
وفي أثناء مشاركته في مشروعات الحرب والتدريبات بالذخيرة الحية في منطقة جبل عتاقة، بدأت موهبته في الرماية تلفت أنظار قادته، خاصة مع قدرته على إصابة الأهداف بدقة، وهو ما جعله من العناصر المتميزة داخل وحدته.
ومع مرور الوقت، تخصص مفتاح في التعامل مع المدفع المضاد للدبابات، وأصبح تفوقه في الرماية محل تقدير قادته.
«لن أفرط فيك».. كلمة من قائد الجيش
كان العميد أحمد بدوي، قائد الجيش الثالث الميداني آنذاك، قد لاحظ كفاءة مفتاح وتمسك ببقائه ضمن وحدته.
ويروي مفتاح أنه عندما اشتكى ذات مرة من قصر مدة إجازاته، وطلب نقله إلى منطقة قريبة من مطروح، جاءه رد قائد الجيش ليؤكد تقديره لمهارته، قائلاً له إن مطروح لا يوجد بها سلاح مدفعية، وحتى لو وُجد فلن يفرط فيه بسبب كفاءته المشهودة.
وكانت هذه الشهادة من قائده بمثابة تقدير مبكر لمقاتل لم يكن يعرف وقتها أن اسمه سيصبح مرتبطًا بإحدى قصص البطولة في حرب أكتوبر.
رماية أمام السادات وترقية استثنائية
قبل اندلاع حرب أكتوبر، شارك مفتاح في أحد مشروعات الحرب الأخيرة التي نُفذت بالذخيرة الحية، بحضور الرئيس الراحل أنور السادات وعدد من كبار قادة القوات المسلحة.
وخلال المشروع، أظهر دقة لافتة في إصابة الأهداف، فلفت أداؤه انتباه القيادة، وتلقى إشادة على مهارته في الرماية.
وبحسب روايته المنشورة في بوابة الأهرام، حصل على ترقية استثنائية وفورية إلى رتبة عريف، وأصبح بعد ذلك «ناشنجي» المدفع الأساسي في سريته، وهي المهمة التي ارتبطت به خلال الحرب.
زواج في سبتمبر.. وعودة إلى الجبهة قبل الحرب
في الأول من سبتمبر 1973، حصل مفتاح على إجازة للزواج، وعاد إلى أسرته ليبدأ حياته الزوجية، لكنه لم يمكث طويلًا بعيدًا عن وحدته.
فمع اقتراب موعد الحرب، عاد إلى الجبهة في نهاية سبتمبر، ليجد نفسه بعد أيام قليلة أمام واحدة من أهم اللحظات في تاريخ مصر الحديث.
ويربط مفتاح تلك الإجازات التي مُنحت للجنود في تلك الفترة بخطة الخداع الاستراتيجي التي سبقت الحرب، والتي هدفت إلى إخفاء نية القوات المسلحة المصرية في شن الهجوم.
السادس من أكتوبر.. بداية العبور
مع حلول ظهر 6 أكتوبر 1973، أبلغ قائد السرية الناشنجي الأساسي والحكمدار ببدء الحرب، وشرح لهما خطة العمل التي سبق التدريب عليها.
وبدأت المدفعية المصرية تنفيذ مهامها بالتزامن مع العمليات العسكرية التي شهدتها الجبهة، وواصل مفتاح ورفاقه أداء مهمتهم في استهداف مواقع العدو وتوفير الدعم النيراني للقوات المصرية التي عبرت قناة السويس وبدأت التقدم داخل سيناء.
وفي مساء اليوم الأول، تلقى أفراد الوحدة اتصالًا من ضابط استطلاع الكتيبة الموجود في الجبهة الشرقية للقناة، أكد خلاله دقة إصابات الناشنجية لأهدافهم.
لحظة حاسمة بعد التقدم داخل سيناء
وبعد تقدم القوات المصرية لمسافة تقارب 25 كيلومترًا داخل سيناء، ظهرت مجموعة من الدبابات الإسرائيلية التي كانت تتحرك خلف تلال رملية، فتظهر للحظات ثم تختفي مجددًا.
وهنا استغل مفتاح خبرته في المراقبة والرماية، وظل يتابع حركة الدبابات حتى تمكن من تحديد اللحظة المناسبة للتعامل مع أحد الأهداف.
ومع ظهور إحدى الدبابات، أطلق النار فأصابها إصابة مباشرة، وفق روايته المنشورة، الأمر الذي دفع بقية الدبابات إلى الانسحاب من المنطقة لتجنب مزيد من الخسائر.
كانت الواقعة بالنسبة إلى مفتاح أكثر من مجرد إصابة ناجحة؛ فقد مثلت لحظة تجلت فيها المهارة التي لفتت أنظار قادته في التدريبات، وتحولت إلى أداء حقيقي في ميدان الحرب.
بعد الحرب.. عودة مقاتل إلى سيدي براني
استمر مفتاح في أداء مهمته خلال أيام الحرب، ولم يحصل على أول إجازة له بعد الحرب إلا عقب فك حصار الثغرة، وكانت الإجازة لمدة 12 يومًا.
وعندما عاد إلى سيدي براني، كان أهله وأبناء قبائل المنطقة في انتظاره، وتوافدوا إلى منزل أسرته لاستقباله والاستماع إلى قصته عن أيام القتال والانتصار.
لم يعد إليهم هذه المرة مجرد شاب من أبناء براني، وإنما عاد بصفته مقاتلًا مصريًا شارك في حرب أكتوبر وعاد من الجبهة منتصرًا، وفق ما نقلته بوابة الأهرام عن روايته.
حكاية تستحق أن تبقى في الذاكرة
قصة مفتاح إسرافيل الجالي ليست مجرد حكاية عن مقاتل امتلك مهارة في الرماية، وإنما هي جزء من الذاكرة الوطنية لأبناء مطروح، الذين شاركوا مثل غيرهم من أبناء المحافظات المصرية في حرب أكتوبر، وأسهموا في صناعة لحظة فارقة في تاريخ مصر.
من أبو سطيل بسيدي براني إلى جبهة قناة السويس، ومن شاب التحق بالقوات المسلحة عام 1972 إلى مقاتل لفت أنظار قيادته بكفاءته، بقي اسم مفتاح إسرافيل الجالي شاهدًا على أن البطولة المصرية خرجت من كل ربوع الوطن.
وتظل مثل هذه الشهادات، التي رواها أصحابها بأنفسهم، جديرة بالتوثيق وإعادة النشر؛ حتى تعرف الأجيال الجديدة أسماء أبناء مطروح الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن الوطن في حرب أكتوبر المجيدة.
ويبقى السؤال مفتوحًا أمام أبناء محافظة مطروح والمؤرخين والمهتمين بتاريخ حرب أكتوبر: من هم الأبطال الآخرون من أبناء المحافظة الذين شاركوا في الحرب، وما قصصهم التي لم تصل بعد إلى الأجيال الجديدة؟