حين يصبح الاحتياط تضييقًا: قراءة في قوله تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
من الأسئلة التي تستحق أن نعيد طرحها في خطابنا الديني: لماذا يطمئن بعض الناس إلى القول الأشد لمجرد شدته؟ ولماذا يُطالب من ييسّر بالدليل، بينما يُقبل التضييق أحيانًا بوصفه علامة على الغيرة والورع؟ وهل كل زيادة في الاحتياط زيادة في موافقة مراد الله؟
هذه الأسئلة تتصل بأصل قرآني صريح: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. فالآية تُعرّف الأمة بصفة من صفات دينها، وتوجّه فهمها للتكليف وعلاقتها بالعبادة. ومن ثمّ، فإن رفع الحرج يجب أن يكون حاضرًا في التعليم والفتوى والنصح، وفي الطريقة التي نحكم بها على تصرفات الناس.
وقد وقف الإمام التابعي قتادة بن دعامة عند هذه الآية، ففسّر الحرج بالضيق، وذكر أن الأمة أُعطيت ثلاث خصال كان يُعطاها الأنبياء: رفع الحرج، والشهادة على الناس، والوعد باستجابة الدعاء. وهو بهذا يلفت إلى ما في الآية من امتنان وتشريف؛ فسعة الدين نعمة تستحق الشكر، ومظهر من مظاهر رحمة الله بالأمة. (greattafsirs.com)
وتزداد دلالة الآية وضوحًا حين نقرأها في سياقها؛ فهي الآية نفسها التي تبدأ بالأمر بالجهاد في الله، وتختتم بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والاعتصام بالله. لقد اجتمع فيها التكليف ورفع الحرج، بما يدل على أن أداء الواجبات وسعة الشريعة معنيان متكاملان. وتحتاج العبادة إلى جهد وصبر، أما المشقة فلا تصبح فضيلة مستقلة لمجرد أنها أشق؛ إذ تُفهم قيمة العمل في ضوء مشروعيته ومقصده وكيفية أدائه.
وفي السيرة النبوية نرى هذا المعنى حاضرًا في التعامل مع الناس. ففي حجة الوداع، حين سأل الحجاج عن تقديم بعض أعمال يوم النحر وتأخيرها، كان جواب النبي صلوات الله عليه وآله: «افعل ولا حرج». لقد واجه قلق السائلين ببيان سعة الحكم، وأرشدهم إلى إتمام نسكهم. وهنا تظهر قيمة العلم الذي يرفع الحيرة عن الإنسان ويعينه على العبادة. (hadeethenc.com)
وحين وقع الأعرابي في خطئه داخل المسجد، وجّه النبي صلوات الله عليه وآله أصحابه إلى معالجة أثره، وقال: «فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين». إن اجتماع تصحيح الخطأ والرفق بصاحبه في هذا الموقف جدير بالتأمل؛ فصيانة حرمة المسجد لم تستدع إذلال الرجل، وتعليمه لم يحتج إلى مضاعفة خوفه. (dorar.net)
ومن هنا تبدأ مسؤوليتنا في زماننا: أن نراجع ما نضيفه إلى حياة الناس باسم الاحتياط. فقد يبدأ الأمر باستحباب، ثم يتحول في الخطاب العام إلى واجب، وقد يكون اختيارًا فقهيًا، ثم يُعرض كأنه القول الوحيد الذي يحتمله الدين، وقد يكون عادة اجتماعية، ثم تُمنح حرمة دينية لا دليل عليها. ومع تكرار ذلك تضيق المساحة التي أتاحها الشرع، ويصبح الإنسان محاصرًا بأحكام لم يتبين له مصدرها.
والفارق كبير بين أن يقول المرء: «أختار هذا لنفسي احتياطًا»، وأن يقول لغيره: «تأثم إن لم تفعل مثلي». فالأولى تعبر عن اختياره الشخصي، أما الثانية فتنسب حكمًا إلى الله وتُلزم به عباده. الورع الشخصي لا يصير بمجرده تكليفًا عامًا، والقلق من احتمال الخطأ لا يكفي وحده لتحريم فعل أو إبطال عبادة.
ولهذا ينبغي أن يكون التثبت حاضرًا قبل التضييق أيضًا. فمن قال لإنسان إن عبادته باطلة، أو إن كسبه محرم، أو إن عليه إعادة عمله، تحمّل مسؤولية بيان الحكم ومستنده ومدى انطباقه على الواقعة. إن لفظة «حرام» ليست مجرد تعبير عن الاستياء؛ إنها نسبة حكم إلى الله، وقد قال سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦].
وفي هذا الموضع نحتاج إلى تصحيح تصور شائع: أن الأشد هو الأوثق دائمًا. فقد وصفت أم المؤمنين عائشة هدي النبي صلوات الله عليه وآله بأنه كان يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثمًا. وهذا يعلّمنا أن اليسر المشروع يستحق الاطمئنان إليه، وأن الترجيح يحتاج إلى علم ودليل، لا إلى قياس مقدار المشقة في كل اختيار. (dorar.net)
ويقتضي ذلك أن نعلّم الناس مراتب الأحكام. فالواجب له منزلته، والمستحب له منزلته، والمكروه يختلف عن المحرم، والمسألة الاجتهادية تحتاج إلى عرض يبيّن ما فيها من خلاف معتبر. وحين تُمحى هذه الفروق، يُلام الناس على ترك ما لم يجب عليهم، ويُعامل اختلافهم الفقهي كأنه نقص في إيمانهم. أما التعليم المنصف فيمنحهم القدرة على العمل بعلم، واحترام من أخذ باجتهاد معتبر آخر، مع بقاء مجال البحث والترجيح.
كما أن فهم حال الإنسان جزء من حسن تنزيل الحكم عليه. فالمريض، وكبير السن، ومن يعاني الوسواس، ومن يواجه ظرفًا استثنائيًا، يحتاج كل منهم إلى من يسمع ويستوضح قبل أن يُلزم ويؤاخذ. وقد فسّر ابن عباس جمع النبي بين الصلوات بقوله: «أراد أن لا يحرج أمته»؛ فاستحضر مقصد رفع الحرج في فهم الفعل النبوي. (dorar.net)
وتتضاعف هذه المسؤولية في زمن المنصات؛ إذ قد تصل عبارة مقتطعة إلى آلاف الناس، فتزرع فيهم الشك في عباداتهم أو الحرج في حياتهم. لذلك يحتاج نشر الحكم إلى أمانة في عرض شروطه وحدوده والخلاف المعتبر فيه. ويحتاج الناصح إلى التواضع العلمي الذي يجعله يقول: «لا أعلم»، أو «هذه المسألة تحتاج إلى سؤال أهل الاختصاص»، حين لا تتوافر له المعرفة الكافية.
إن تبصير الناس بقاعدة رفع الحرج يمنحهم ميزانًا يسألون به عن الدليل، ويفرقون به بين الحكم الشرعي والاختيار الشخصي، وبين العناية بصحة العمل والمبالغة في تعقيده. وبهذا يستعيد التثبت وظيفته: حماية الدين من أن يُنسب إليه ما لم يثبت، وحماية الناس من أن يُحمّلوا ما لم يُكلّفوا به.
فمن تعظيم حدود الله أن نقف عند ما أوجبه وحرّمه، وأن نحفظ كذلك ما أتاحه من سعة وتيسير. والرحمة التي دلّ عليها القرآن وجسّدتها السيرة أمانة في أعناق من يعلّمون الناس دينهم؛ فلا يجوز أن تحجبها قسوة الأسلوب، أو غلبة العادة، أو احتياط يتحول إلى إلزام بلا بيّنة.