من وثيقة الدرعية إلى موكب مكة الحجُّ رابطٌ تاريخي بين الحجاز والأسرة السعودية منذ 466 عامًا

 الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

تُخبرنا الوثائقُ العثمانية المبكرة أن صلةَ الأسرة المالكة السعودية بالحج تعود إلى ما قبل نحو 466 عامًا، حين أشارت وثيقةٌ مؤرخة بسنة 981هـ/1573م ـ نشرها الباحث الدكتور راشد العساكر في كتابه قوافل الحج المارة بالعارض ـ إلى الأمير إبراهيم بن موسى بن ربيعة بن مانع المريدي الحنفي، جدّ الأسرة السعودية، ضمن سياق تنظيم قوافل الحج وتأمين الطرق القادمة من نجد إلى الحجاز. وكانت تلك الإشارة واحدةً من أقدم الشهادات التاريخية الموثقة على حضور الدرعية وأمرائها في منظومة الحج النجدية، بما يعكس الارتباط المبكر بين نجد والحرمين الشريفين، لا بوصفه علاقةً سياسية طارئة، بل امتدادًا اجتماعيًا ودينيًا متصلًا عبر القرون.

ولم تكن تلك الوثيقة تتحدث عن رحلةٍ فردية معزولة، بل عن منظومةٍ متكاملة من الأمن والقوافل والإشراف على الطرق، وهو ما يكشف أن الحج في الجزيرة العربية كان مؤسسةً حضاريةً كبرى تشترك فيها الإمارات والقبائل والحواضر، وتتشكّل حولها علاقات النفوذ والحماية والضيافة. ولذلك ظلّ الحج عبر العصور الرابط الأعمق بين الحجاز ونجد، والطريق الذي عبرت من خلاله التجارة والعلم والمصاهرة والصلات السياسية.

وبعد أكثر من ثلاثة قرون ونصف على تلك الوثيقة، نشرت الجريدة الهاشمية الرسمية سنة 1335هـ خبر وصول سمو الأمير محمد بن عبدالرحمن آل سعود إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج، في زمن كانت فيه الحجاز مملكةً هاشمية يحكمها المرحوم الشريف الحسين بن علي آل عون. وقد وصفت الصحيفة استقبال الأشراف والرؤساء له في مرحلة العشيرة خارج مكة، وتجهيز السرادقات والخيام ووسائل الضيافة في محطة السيل، قبل دخول الموكب إلى مكة في مشهدٍ مهيب تتقدمه الهجانة والفرسان وحجاج قرى نجد.

وتحمل هذه الصورة المنشورة في كتاب الحج في العهد الهاشمي قيمةً تاريخيةً كبيرة؛ فهي لا توثّق رحلة حج فحسب، بل توثّق شكل العلاقة بين الحجاز ونجد في السنوات الأخيرة قبل توحيد البلاد تحت الراية السعودية. ففي تلك المرحلة كانت مكة تستقبل قوافل نجد ضمن تقاليد عربية وإسلامية عريقة، حيث تمتزج السيادة بالضيافة، والروحانية بالمهابة السياسية، والحج بالهوية الجامعة لأهل الجزيرة العربية.

ثم جاءت مرحلة الملك عبدالعزيز رحمه الله، فأصبحت الحجاز منذ سنة 1343هـ تحت السيادة السعودية، لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ الحج، انتقلت فيها خدمة الحرمين من إدارة القوافل التقليدية إلى بناء الدولة الحديثة ومؤسسات الأمن والنقل والتنظيم. ومع ذلك بقي الجوهر واحدًا؛ خدمة الحاج، وتأمين الطريق، وربط أطراف العالم الإسلامي بالبيت الحرام.

وهكذا فإن الخط الممتد من وثيقة سنة 981هـ التي تذكر جد الأسرة السعودية في سياق قوافل الحج، إلى صورة الأمير محمد بن عبدالرحمن آل سعود في مكة سنة 1335هـ، ثم إلى عهد الملك عبدالعزيز وتوحيد البلاد، يكشف أن الحج لم يكن حدثًا عابرًا في تاريخ الجزيرة العربية، بل كان المحور الذي تشكلت حوله الجغرافيا السياسية والاجتماعية والدينية للمنطقة، وأن طرق الحج كانت دائمًا أكثر من مجرد طرق سفر؛ كانت شرايين وحدةٍ وذاكرةٍ وهوية.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *