«ربنا وربه الله» . قصة اطعام ستين راكبًا في الزمن الصعب تروى في مجلس الملك خالد رحمه الله .

‏الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية.

تحتفظ المجالس العامرة بقصص كثيرة، لكن القليل منها يبقى عالقًا في الذاكرة لعقود طويلة. ومن تلك الروايات التي تناقلها الرواة ما جرى في مجلس الملك خالد بن عبدالعزيز رحمه الله حين غاب أحد جلسائه يومًا، فلما حضر في اليوم التالي سأله الملك:

«وينك غايب؟»

فأجاب الرجل: «جاء عندي ضيوف، وأعانني الله عليهم».

كان جوابًا عفويًا، لكن الشيخ عمر بن ربيعان رأى فيه مناسبة لاستحضار معنى أعمق من مجرد استقبال الضيوف، فقال:

«القدر موجود، والحطب موجود، والخدم موجودين، والكهرباء موجودة».

ولم يكن يقصد التقليل من شأن الضيافة، وإنما أراد أن يلفت النظر إلى أن كثيرًا من أسباب الإعانة أصبحت متوافرة في هذا العصر، بينما كان الرجال في الأزمنة الماضية يواجهون المواقف الصعبة بإمكانات محدودة، ثم يخرجون منها بذكر حسن يبقى بعد رحيلهم.

ومن هنا انتقل عمر بن ربيعان إلى قصة عاشها بنفسه، فقال:

«جيناه أنا ومعي ستين مردوفة».

أي أنه كان ضمن جماعة كبيرة من الركبان بلغ عددهم نحو ستين راكبًا، وقد وصلوا إلى معيض بن راجح بن وقاص بعد الظهر.

وكان الموقف كفيلًا بأن يربك أي صاحب منزل؛ فستون رجلاً يحتاجون إلى طعام ومكان وراحة، لكن الرجل لم يظهر ضيقًا ولا تبرمًا، بل استقبل القوم بما عنده، وجاء بالعيبة المليئة بالتمر، والظرف المملوء بالسمن، ووضع ما تيسر بين يدي ضيوفه.

ثم قال كلمته التي تكشف حقيقة الموقف:

«أنا ما عندي غير قدر واحد وصحن واحد».

لم يكن يتحدث عن وفرة ولا عن مطابخ عامرة، بل عن إمكانات بسيطة للغاية. ومع ذلك لم يتراجع، ولم يبحث عن عذر، وإنما قال:

«أرسلوا ربعكم علي عشرة عشرة».

فصار يستقبلهم جماعات متتابعة، عشرة بعد عشرة، حتى استوفى الجميع حق الضيافة.

ويقول الراوي:

«والله إن آخر عشرة ما أذّن الفجر إلا وهم على شحم ولحم».

وهنا تكمن قيمة الرواية.

فالقصة ليست قصة طعام، بل قصة عزيمة. وليست قصة ثراء، بل قصة مروءة. فالكرم في الذاكرة العربية لم يكن يقاس بما يملكه الرجل من الوسائل، وإنما بما يصنعه عندما تضيق الوسائل وتتسع المسؤولية.

وحين انتهى عمر بن ربيعان من روايته، لم يحتج الملك خالد رحمه الله إلى تعليق طويل، بل اختصر المعنى كله في عبارة واحدة أصبحت خلاصة القصة وروحها:

«ربنا وربه الله».

وهي كلمة تختصر فلسفة كاملة؛ فالرجل الذي أعان ضيوفه اليوم إنما أعانه الله، والرجل الذي أطعم ستين راكبًا بالأمس إنما أعانه الله كذلك. تتغير الأزمنة، وتتبدل الوسائل، لكن المعين واحد، والرازق واحد، والفضل كله لله.

ولهذا بقيت مثل هذه الروايات حية في ذاكرة الناس؛ لأنها لا تحفظ أسماء الرجال فحسب، بل تحفظ القيم التي صنعت مكانتهم، وتذكر الأجيال بأن الكرم الحقيقي لا يظهر حين تتوافر الإمكانات، وإنما حين تضيق الأسباب ويبقى الاعتماد على الله، ثم على شهامة الرجال وكرمهم .

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *