من مكة إلى الآستانة العلية إذن سفر وتزكية لأشراف من ذوي سرور بختم الشريف محمد بن عون سنة 1264هـ
الشريف محمد بن علي الحسني
رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
بين الوثائق الحجازية التي تكشف جانبًا من العلاقة المباشرة بين إمارة مكة والدولة العثمانية تبرز هذه الوثيقة الصادرة في الرابع من شهر محرم سنة 1264هـ، والمختومة بختم شريف مكة الشريف محمد بن عون، والتي تتعلق بمجموعة من الأشراف من ذوي سرور المنتهين في نسبهم إلى الشريف الحسن بن محمد أبي نمي الثاني الحسني.
وتكتسب الوثيقة أهميتها من بساطة عباراتها وعمق دلالاتها في آن واحد، إذ ورد فيها أن هزاع بن عبد المجيد، والسيد أحمد عبد المجيد، والسيد شنبر بن دخيل الله، والسيد مسعود بن علي، وسعيد بن حمود «لم يسبق لهم التوجه إلى الآستانة العلية قبل الآن»، ثم ختمت بالإذن لهم بالسفر والتوجه.
وللوهلة الأولى قد تبدو الوثيقة مجرد تصريح سفر عادي، غير أن القراءة المتأنية تكشف أنها تؤدي عدة وظائف إدارية واجتماعية في الوقت نفسه. فهي أولًا وثيقة تعريف رسمية بأصحابها صادرة من أعلى سلطة في الحجاز آنذاك، وهي ثانيًا إذن سفر معتمد يثبت موافقة الإمارة على انتقالهم إلى عاصمة الدولة العثمانية، وهي ثالثًا وثيقة تزكية وتوصية تحمل في مضمونها شهادة رسمية بحسن حال المذكورين ومعرفة الإمارة بهم.
ويستوقف الباحث في هذه الوثيقة النص الصريح على أنهم «لم يسبق لهم التوجه إلى الآستانة العلية قبل الآن»، وهو نص يكشف عن وجود نوع من المتابعة الإدارية لحركة المسافرين، وأن السفر إلى العاصمة العثمانية لم يكن أمرًا عابرًا، بل رحلة ذات أهمية تستوجب إصدار إفادة رسمية تبين هوية المسافر وسوابق سفره.
كما تعكس الوثيقة مكانة الأشراف في البناء الإداري للدولة العثمانية؛ إذ كان الشريف في مكة يمثل المرجعية الطبيعية لتوثيق أحوال أبناء البيوت الهاشمية والأعيان المتوجهين إلى الولايات العثمانية أو إلى الآستانة نفسها. ولذلك فإن ختم الشريف محمد بن عون على هذه الوثيقة لم يكن مجرد إجراء شكلي، بل كان بمثابة اعتماد رسمي وتوصية معتبرة أمام الجهات الحكومية في أنحاء الدولة.
ومن زاوية تاريخ الأنساب، تقدم الوثيقة شاهدًا مهمًا على وجود جماعة ذوي سرور في منتصف القرن الثالث عشر الهجري، وتوثق أسماء عدد من رجالهم في سجل رسمي محفوظ، الأمر الذي يمنحها قيمة إضافية للباحثين في تاريخ الأشراف بالحجاز.
لقد عرف العالم اليوم جوازات السفر والتأشيرات وأنظمة العبور الحديثة، غير أن هذه الوثيقة تذكرنا بأن المجتمعات الإسلامية عرفت منذ قرون وسائلها الخاصة في التحقق من الهوية وإثبات الشخصية والتوصية بالمسافرين. وبين سطور هذه الورقة الصغيرة يطل علينا مشهد من تاريخ الحجاز؛ مجموعة من الأشراف يغادرون مكة المكرمة في رحلة طويلة نحو الآستانة العلية، يحملون معهم وثيقة مختومة من شريف مكة تشهد لهم وتوصي بهم وتفتح لهم أبواب العاصمة العثمانية.
وثيقة واحدة، لكنها تختصر تاريخًا من الثقة والإدارة والروابط التي جمعت مكة المكرمة بقلب الدولة العثمانية.
