‏حين انتصرت الحقيقة على الأسطورة… القناة المائية المدفونة في وادي قنونى

 ‏الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏ليست كل الروايات الشعبية ضربًا من الخيال، فبعضها يحمل في طياته ذاكرةً تاريخيةً حفظها الناس بالرواية حين غابت الكتابة، حتى يأتي يومٌ تكشف فيه الأرض ما صدّقته الألسن جيلاً بعد جيل. ومن هذا النوع ما توارثه أهالي محافظة العرضيات عن وجود عين عظيمة تتدفق مياهها في قنوات تحت الأرض داخل وادي قنونى، وهي قصة ظل الآباء يروونها للأبناء، والأجداد يورثونها للأحفاد، حتى أصبحت عند بعض الناس مجرد أسطورة شعبية، بينما بقي كبار السن يؤكدون أنها حقيقة يعرفها الأوّلون.

‏ويقع وادي قنونى في محافظة العرضيات بمنطقة مكة المكرمة، ويعد من أكبر أودية جنوب غرب المملكة العربية السعودية، إذ يبلغ طوله نحو (108) كيلومترات، وتنبع روافده من أعالي جبال السراة، من جبل البلس، مارّة ببلاد بني المنتشر، ثم بني بحير بلقرن، ثم بني عيسى، قبل أن تنحدر غربًا حتى تنتهي في بلاد بني زيد من كنانة، حيث قامت إمارة كنانة التاريخية في قنونى، ومنها يواصل الوادي جريانه حتى يصب في البحر الأحمر. وقد عُرف الوادي منذ القدم بغزارة مياهه، وعذوبة عيونه، وخصوبة تربته، حتى كان من أشهر أودية تهامة إنتاجًا للقمح والدخن والسمسم، إضافة إلى بساتين النخيل التي اشتهرت بها المنطقة عبر القرون.

‏وتكتسب قنونى أهمية تاريخية استثنائية؛ ففيها سوق حباشة، أحد أشهر أسواق العرب قبل الإسلام، والذي استمر بعد البعثة النبوية في سنواتها الأولى. وفي هذا السوق شوهد سيدنا محمد رسول الله وخاتم الأنبياء صلوات الله عليه وآله قبل البعثة، حين كان يتاجر بمال أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد عليها السلام، قبل أن يتشرف بالزواج منها، فكانت قنونى شاهدة على صفحة من صفحات السيرة النبوية، كما كانت مركزًا تجاريًا واقتصاديًا مهمًا في جنوب الجزيرة العربية.

‏وخلال أعمال الحفر لإنشاء سد وادي قنونى، وقع ما أعاد الحياة إلى تلك الرواية الشعبية القديمة؛ إذ سمع العاملون – كما يروي أهالي المنطقة – صوت خرير ماء قوي ينبعث من أعماق الأرض، في موضع ظل الناس يتحدثون عنه عشرات السنين. وعندما استمع مهندس المشروع إلى شهادات كبار السن، قرر التعامل مع الأمر بحذر، فواصل الحفر بعناية، حتى تكشفت الحقيقة.

‏فعلى عمق يقارب سبعة أمتار ظهرت قناة حجرية مدفونة، مبنية بإتقان، تتدفق فيها المياه بصورة مستمرة، في مشهد جعل الأسطورة الشعبية تتحول إلى حقيقة ماثلة للعيان. ولم يعد السؤال: هل كانت الرواية صحيحة؟ بل أصبح السؤال الأكبر: من الذي أنشأ هذه القناة؟ ومتى شُيدت؟ وإلى أين يمتد مسارها؟

‏إن وجود قناة مائية بهذا المستوى من الهندسة في قلب وادٍ عرف منذ القدم بالزراعة والعمران، وبجوار سوق حباشة التاريخي، وفي نطاق إمارة كنانة القديمة، لا يمكن النظر إليه بوصفه اكتشافًا عابرًا، بل هو شاهد على وجود منظومة مائية متقدمة كانت تدير المياه وتوزعها على الأراضي الزراعية والمستوطنات، وربما كانت أحد أسرار ازدهار هذا الوادي عبر مئات السنين.

‏ولا يجوز علميًا نسبة هذه القناة إلى عصر معين قبل إجراء الدراسات المتخصصة، لكن المؤكد أن هذا الاكتشاف يستحق برنامجًا بحثيًا متكاملاً تشارك فيه هيئة التراث، والجامعات السعودية، والمتخصصون في الآثار والهيدرولوجيا والجيولوجيا، من أجل تأريخ القناة، وتحديد تقنيات بنائها، وتتبع امتدادها، وربطها بالمواقع الأثرية والاستيطان البشري في المنطقة.

‏ولو أثبتت الدراسات قِدم هذه المنشأة، فإنها ستكون من أهم الشواهد على عبقرية الإنسان في إدارة المياه في الجزيرة العربية، وستضيف فصلًا جديدًا إلى تاريخ العمارة المائية في المملكة، جنبًا إلى جنب مع أشهر أنظمة الري التاريخية في العالم.

‏كما أن الموقع مؤهل – بعد استكمال الدراسات العلمية – ليكون مقصدًا ثقافيًا وسياحيًا، يجمع بين التاريخ والآثار والطبيعة، ويعرض للزائر قصة فريدة بدأت برواية يرددها الأجداد، وانتهت باكتشاف أثري أخرجته الحفريات من باطن الأرض.

‏إن وادي قنونى ليس مجرد مجرى للمياه، بل هو سجل حضاري يجمع بين الوادي الخصيب، وإمارة كنانة التاريخية، وسوق حباشة الذي شهد مرور النبي محمد صلوات الله عليه وآله، والقناة الحجرية التي أعادت الاعتبار لذاكرة المجتمع المحلي. ومن هنا فإن المحافظة على هذا الموقع، ودراسته دراسة علمية، والعمل على تسجيله ضمن المواقع التراثية ذات القيمة العالمية، لم يعد ترفًا ثقافيًا، بل واجبًا وطنيًا وحضاريًا، لأن الأمم التي تحفظ شواهد تاريخها هي الأمم الأقدر على صناعة مستقبلها.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *