استمرارية الذاكرة المكانية في حلي . دراسة توثيقية في تحول موقع الشيخ علي الطواشي من السيرة الى المشهد فالسلالة ثم إلى التنظيم في قرية البيضين. (دراسة توثيقية)
بقلم /الشريف محمد بن علي الحسني
مؤرخ ومفكر رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية
تمثل المواضع التاريخية في الحجاز أحد أكثر الحقول ثراءً في دراسة العلاقة بين الإنسان والمكان، حيث لا تتشكل الرمزية دفعة واحدة، بل تنشأ عبر تراكم زمني طويل تتداخل فيه السيرة الفردية، والذاكرة الاجتماعية، والتوظيف المكاني، حتى تبلغ ذروتها، ثم تدخل طور الأفول ضمن تحولات السلطة والتنظيم. ويبرز موقع قرية البيضين بحلي بوصفه نموذجًا دالًا على هذا المسار، حيث يمكن تتبع تحوله من شخصية تاريخية حية، إلى أثر قبري، ثم إلى مشهد، ثم إلى مزار اجتماعي، ثم إلى أصل منظم ضمن أملاك الدولة.
تبدأ هذه الدراسة من الأصل البشري للموقع، والمتمثل في شخصية الشيخ علي الطواشي، الذي وثقه تلميذه الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي في كتابه «مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان»، حيث وصفه بقوله: «الشيخ الكبير العارف بالله الشهير الخبير، ذو المقامات العلية، والكرامات السنية، والمواهب الجزيلة، والأوصاف الجميلة، مطلع الأنوار، وخزانة الأسرار». ثم وصفه في موضع آخر بقوله: «شيخنا، وقدوتنا، وسيدنا، وبركتنا الشيخ الكبير، العارف بالله الخبير، خزانة الأسرار، ومطلع الأنوار، الفقيه الناسك، الأذوب السالك، ذو السيرة الجميلة، والمناقب الجليلة، والمحاسن الغالية، والمقامات العالية، والأحوال الباهرة، والمكاشفات الظاهرة، والكرامات الخارقة، والأنفاس الصادقة، والمعارف والعلوم اللدنيات، والآداب والأخلاق المرضيات، والتربية في سلوك الطريقة، والجمع بين الشريعة والحقيقة، ذو التخصيص والتمكين». كما قال عنه أيضًا: «اشتغل رضي الله تعالى عنه بفنون من العلوم حتى في علم الطب، وأكثر اشتغاله بالفقه، وكان الغالب عليه التنسك، وحب الخلوات والانعزال عن المخالطات، وكان يسافر مع أبيه وأخوته، فإذا دخلوا السوق للتجارات، دخل المسجد للعبادات». وتكمن أهمية هذه الترجمة في أنها تثبت أن البداية لم تكن موضعًا ولا مزارًا، بل إنسانًا حيًا ذا أثر علمي وروحي واضح في بيئته.
وفي الإطار الزمني نفسه تقريبًا، تأتي شهادة الرحالة ابن بطوطة في كتابه «تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار»، حين وصف جماعة من الفقراء في مسجد حلي، وذكر أنهم إذا صلوا العصر اجتمعوا للذكر بين يدي الشيخ إلى صلاة المغرب، ثم يقومون للتنفل والذكر والتهجد إلى ما بعد الفجر، في صورة تعكس حضورًا تعبديًا صوفيًا منضبطًا داخل المسجد. وتنبع أهمية هذه الشهادة من أن ابن بطوطة لم يشر إلى مشهد قبري أو مزار ظاهر، وهو أمر منسجم مع التسلسل الزمني؛ لأن الشيخ علي الطواشي في ذلك الوقت لم يكن قد صار قبره موضعًا للزيارة، بل كان لا يزال في طور الحياة أو قريب العهد بها، ومن ثم فإن غياب ذكر المشهد عند ابن بطوطة لا يعد نفيًا لشخص الشيخ، بل نفيًا لتحول قبره إلى رمز مكاني ظاهر في تلك المرحلة.
ثم تأتي النقلة الحاسمة في شهادة الشيخ أحمد بن أحمد بن عبد اللطيف الشرجي في كتابه «طبقات الخواص من أهل الصدق والإخلاص»، حيث أشار إلى أنه حج سنة 835هـ، ومر بقبر الشيخ علي في مدينة حلي، ووصفه بأنه «عليه مشهد عظيم، وتابوت حسن، وعليه من الأنس والنور والبركة ما يجل عن الوصف». وهذه الشهادة تمثل لحظة التحول الفاصلة من القبر إلى المشهد؛ إذ إنها تثبت أن الشيخ الذي توفي سنة 748هـ قد صار لقبره ظهور مكاني واضح بعد وفاته بنحو سبعة وثمانين عامًا. وتكمن قيمة هذا النص في أنه يسد الفجوة الزمنية بين شهادة ابن بطوطة التي لم تذكر المشهد، وبين النصوص اللاحقة التي تدل على رسوخ الاسم في المكان، مما يجعل الشرجي شاهدًا مباشرًا على بداية الظهور المكاني لقبر الشيخ علي الطواشي.
وفي مرحلة لاحقة، يظهر النص المؤرخ بسنة 914هـ في زمن الشريف بركات أمير مكة، ليدل على دخول قافلة من حلي كان فيها أمير حلي قيس، وكذلك الشيخ أبو القاسم بن الشيخ عمر بن علي الغماري الطواشي، وهو من أحفاد الشيخ صاحب القبر. وتنبع أهمية هذا النص من أنه يثبت استمرار السلسلة النسبية للشيخ علي الطواشي، ويبين أن الاسم لم يبق مجرد ذكرى فردية، بل تحول إلى نسب محفوظ حاضر في المجال الاجتماعي والسياسي، بما يعزز الربط بين الأصل البشري للموقع وبين استمراره في الذاكرة النسبية عبر الأجيال.
وتتعمق هذه الاستمرارية بما أورده صاحب «خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر» المحبي، في ترجمته للسيد محمد الغرب، حيث ذكر وجودًا لذرية الشيخ علي الطواشي في قريتهم المعروفة بـ«قوز الشاهد»، ووصفهم بأنهم من المشايخ الصوفية. وهذا النص بالغ الدلالة؛ لأنه يثبت أن أثر الشيخ علي لم يتوقف عند شخصه ولا عند قبره، بل استمر في صورة سلالة حية حافظت على سمتها العلمية والروحية، فانتقلت الذاكرة من الإنسان إلى المكان، ثم عادت لتثبت نفسها في صورة جماعة اجتماعية ذات وصف ديني معروف.
ومع تعاقب الزمن، تحول هذا المشهد في قرية البيضين بحلي إلى مزار موسمي، تقام عنده زيارة الحول، وتعقد فيه الأسواق، وتمارس فيه بعض الطقوس ذات الطابع الشعبي والصوفي. وهنا لا يعود المكان مجرد قبر لشيخ صالح، بل يغدو مؤسسة اجتماعية محلية، تلتقي عندها الرمزية الدينية بالحركة الاقتصادية والعادة الاجتماعية. وقد بقي هذا الدور ممتدًا قرونًا، حتى صار المشهد جزءًا من البنية الوجدانية للمجتمع المحلي.
غير أن هذا المسار التاريخي لم يكن ثابتًا، بل دخل طور التحول مع دخول المنطقة التي فيها القبر ضمن الدولة السعودية عام 1343هـ، حيث بدأ الموقع يفقد وظيفته التقليدية بوصفه مزارًا علنيًا، وإن كانت بعض الزيارات الخفية قد استمرت زمنًا. وتكشف الوثيقة الرسمية المؤرخة سنة 1371هـ، والمنشورة في جريدة «أم القرى»، أن القبر كان لا يزال معروفًا في قرية البيضين بحلي، وأن الدولة أنهت أثره نهائيًا بعد نحو ثمانية وعشرين عامًا من استقرار الحكم، ثم أعادت تأهيل الأرض وضمتها إلى وزارة المالية ضمن أملاك الدولة. وبذلك انتقل الموقع من فضاء رمزي اجتماعي إلى أصل منظم داخل إطار الإدارة الحديثة.
وتفيد هذه الوثيقة، التي سبق نشرها وتحليلها في كتابنا «دراسة وثائقية لتملك العقار في الحجاز»، أن الأرض التي كان بها قبر الشيخ علي لم تعد تؤدي وظيفتها القديمة، بل دخلت في طور جديد من إعادة تعريف المجال العام، حيث أعيد ترتيب العلاقة بين الموروث الشعبي، والموضع الجغرافي، وسلطة الدولة. ومن هنا فإن موقع البيضين لا يمثل حادثة محلية معزولة، بل يقدم نموذجًا تحليليًا لمسار تشكل الرمزية المكانية في الحجاز، حيث يمكن تتبع ست مراحل متتابعة: الإنسان، ثم القبر، ثم المشهد، ثم النسب، ثم السلالة، ثم التنظيم.
ومن خلال هذا التسلسل، يتبين أن الذاكرة المكانية ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي كيان حي يتشكل عبر التفاعل بين النصوص، والتجربة الاجتماعية، والامتداد النسبي، ثم يعاد تعريفه ضمن إطار الدولة. فالشيخ علي الطواشي يبدأ هنا شخصية علمية روحية موثقة، ثم يتحول بعد وفاته إلى مشهد ظاهر، ثم يمتد أثره في سلالته، ثم يدخل موقعه في طور التراجع والزوال ضمن التنظيم الحديث. وبهذا تكتمل صورة البيضين بوصفها مثالًا حيًا على كيف تتولد الذاكرة من الإنسان، وتترسخ في المكان، ثم تنقلب إلى مادة توثيقية تؤرخ لتحولات المجتمع والدولة معًا.
النتائج
• تثبت الدراسة أن الشيخ علي الطواشي هو الأصل البشري للذاكرة في هذا الموضع، وان صفة الشيخ غلبت على نسله المعاصر نسبة له وأن حضوره الأول كان حضورًا علميًا وروحيًا في حياته.
• تدل شهادة ابن بطوطة على أن التدين في حلي في مرحلته المبكرة كان مؤسسيًا داخل المسجد، وأن مرحلة المشهد القبري لم تكن قد ظهرت بعد.
• تمثل شهادة الشرجي سنة 835هـ أول دليل واضح على تحول قبر الشيخ علي إلى مشهد ظاهر ذي بنية معمارية وحضور روحي.
• يثبت نص سنة 914هـ استمرار السلسلة النسبية للشيخ علي الطواشي وحضورها الاجتماعي في حلي.
• يدل نص المحبي على وجود ذرية للشيخ علي في قوز الشاهد، ووصفهم بالمشايخ الصوفية، بما يثبت استمرارية الأثر في السلالة.
• تكشف وثيقة سنة 1371هـ عن النهاية التنظيمية للمشهد في قرية البيضين بحلي، وضم الأرض إلى أملاك الدولة.
المصادر
• مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة حوادث الزمان – اليافعي.
• تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار – ابن بطوطة.
• طبقات الخواص من أهل الصدق والإخلاص – الشرجي.
• خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر – المحبي.
• مرتفعات الجزيرة العربية – فيلبي.
• دراسة وثائقية لتملك العقار في الحجاز – الشريف محمد بن علي الحسني.