‏إضاءة الحرم المكي قبل الكهرباء ‏قراءة في وثيقة عثمانية تكشف منظومة الإنارة في المسجد الحرام قبل العصر الحديث

 بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏تُعد دفاتر المهمة العثمانية من أهم المصادر الإدارية التي حفظت تفاصيل الحياة اليومية في الحرمين الشريفين، إذ لا تقتصر على القرارات السياسية، بل تسجل بدقة احتياجات المسجد الحرام وإدارته وخدماته. ومن بين هذه الوثائق يبرز حكم صادر في 27 محرم سنة 872هـ، موجَّه إلى أمير مصر ومسؤول المال فيها، يكشف بصورة مدهشة كيف كانت تُدار إنارة المسجد الحرام قبل ظهور الكهرباء بقرون طويلة.

‏تكشف الوثيقة أن الحرم المكي كان يعتمد على نظامين متكاملين للإنارة: الشموع والقناديل الزيتية. وقد اعتادت الدولة إرسال ست قناطير من الشمع سنويًا من مصر، إلا أن المسؤولين في مكة رفعوا تقريرًا يوضح أن هذه الكمية تزيد على الحاجة، لأن الشموع كانت تُستعمل أساسًا لإنارة المقامات الأربعة والطواف أثناء صلاتي الفجر والعشاء، بينما تبقى مضاءة طوال الليل، الأمر الذي أدى إلى وجود فائض يمكن تقليصه دون الإضرار بالخدمة. ولهذا أوصت الوثيقة بالاكتفاء بإرسال قنطار واحد من الشمع لكل شهر، أي ستة قناطير سنويًا بدلًا من الإرسال الزائد.

‏لكن الجانب الأكثر أهمية في الوثيقة يتعلق بالقناديل الزيتية، التي كانت تمثل العمود الفقري لإنارة المسجد الحرام. فقد أحصت الوثيقة القناديل بدقة إدارية لافتة، فبلغ مجموعها 387 قنديلاً موزعة على أنحاء المسجد. غير أن جميعها لم تكن تُضاء في الوقت نفسه؛ إذ كان يُكتفى مساءً بإشعال 285 قنديلاً، بينما بقي 102 قنديل مضاءة حتى طلوع الفجر، إضافة إلى 212 قنديلاً في أروقة المطاف تستمر إنارتها حتى الصباح، فضلًا عن قناديل خاصة بالمقامات الأربعة وإيوان الحنفية والمقام الشافعي والمقامين المالكي والحنبلي.

‏وتلفت الوثيقة النظر إلى البعد الإنساني في هذا التنظيم؛ إذ تشير صراحة إلى أن الفقراء والضعفاء والمسافرين والمجاورين كانوا يجدون في استمرار الإنارة الليلية عونًا لهم على الطواف والعبادة، وأن نقص الزيت كان سيجعل أداء الشعائر ليلًا أكثر مشقة. ومن هنا أوصى المسؤولون بزيادة كميات الزيت المرسلة إلى مكة، وطلبوا أن يُخصص 150 قنطارًا من الزيت الصافي سنويًا من مصر، لضمان استمرار إنارة المسجد الحرام والكعبة المشرفة طوال الليل.

‏كما تضمنت الوثيقة طلبًا آخر يكشف طبيعة الإدارة الوقفية للحرم، وهو توفير عشر شمعدانات كبيرة توضع في المقامات الشريفة والمجالس المنيفة، بما يعزز كفاءة الإنارة وانتظامها، ويظهر مقدار العناية بالتفاصيل الفنية داخل المسجد الحرام.

‏وتبرز هذه الوثيقة حقيقة تاريخية مهمة، وهي أن رعاية الحرمين الشريفين لم تكن مجرد شعارات سياسية، بل كانت تقوم على إدارة دقيقة تشمل الإحصاء، والتقدير المالي، وحساب الاستهلاك، وضمان استدامة الخدمات. فالوثيقة تحصي عدد القناديل، وتحدد ساعات تشغيلها، وتقدر كميات الوقود اللازمة، وتربط ذلك كله بحاجة المصلين والطائفين، وهو ما يعكس مستوى متقدمًا من التنظيم الإداري في الدولة العثمانية.

‏وتفتح هذه الوثيقة بابًا مهمًا لدراسة تاريخ التقنيات والخدمات في المسجد الحرام قبل دخول الكهرباء في القرن الرابع عشر الهجري، إذ تكشف أن الإنارة كانت مشروعًا متكاملًا يعتمد على شبكة واسعة من القناديل والشموع والزيت، وأن استمرار العبادة ليلًا كان نتيجة تخطيط وتمويل وإدارة دقيقة، لا مجرد اجتهادات فردية.

‏إن قراءة مثل هذه الوثائق لا تُعيد إحياء جانب من تاريخ المسجد الحرام فحسب، بل تُظهر أيضًا كيف كانت الحضارة الإسلامية تنظر إلى خدمة بيت الله الحرام بوصفها مسؤولية دينية وإدارية في آن واحد، حتى غدت تفاصيل مثل عدد القناديل وكمية الزيت جزءًا من سجل الدولة الرسمي، يُرفع إلى السلطان ويُنفذ بأوامره، حفاظًا على نور المسجد الحرام الذي ظل يضيء ليالي مكة قبل أن تعرف البشرية الكهرباء بقرون.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *