في كتابنا المزمع ان شاء الله، قسمان: قسم تأسيسي، وقسم تطبيقي، وكان لابد من نظرية قرآنية يمكن أن تكون العمود الفقري لقسمه الثاني بحسبانه قسما تطبيقيا يثبت أن مقاربة النص القرآني مقاربة صحيحة يمكنها بناء إنسان قادر على كل الأصعدة أن يكون قرأنا يمشي بين الناس.
كتب/ اسلام عبدالعزيز فرحات
في كتابنا المزمع ان شاء الله، قسمان: قسم تأسيسي، وقسم تطبيقي، وكان لابد من نظرية قرآنية يمكن أن تكون العمود الفقري لقسمه الثاني بحسبانه قسما تطبيقيا يثبت أن مقاربة النص القرآني مقاربة صحيحة يمكنها بناء إنسان قادر على كل الأصعدة أن يكون قرأنا يمشي بين الناس.
وفي سبيل الوصول إلى تلك النظرية كان لدي ثلاثة مسارات افترضتها، الأول تتبع تواريخ النزول وأسبابه، للآيات التي تتحدث من قريب أو بعيد عن بناء الإنسان، والثاني تتبع مسارات تلك الآيات داخل سباقاتها ولحاقاتها، والثالث تتبع بنية السور نفسها وما تفرضه من سياق خاص لآياتها.
لكني وأثناء البحث أبهرتني للغاية حركة القصص القرآني وتتابع مشاهدها، وكأنها تخبرني أنها المعمل القرآني الأصدق لصناعة الإنسان وهندسة بنائه..
صرت أتتبع تلك المشاهد، وأجمع الفسيفساء لتكتمل الصورة، فهالني ما رأيت… فقد رأيت نظرية واضحة في بناء الإنسان، لم تتخلف في قصة من قصص القرآن على اختلاف موضوعاتها.
تبدأ هذه النظرية من هندسة علاقة الإنسان بالله ثم فهمه لنفسه، ثم إدراكه للآلة الأهم التي حباه الله بها، وهي العقل، ثم معرفته بالمفاهيم، وبعدها الأخلاق الاجتماعيةثم الشهادة الحضارية على العالم.
أو بمعنى أدق تؤكد النظرية أن هندسة العلاقة بالله تمنح الإنسان المركز، ومعرفته بنفسه تحدد له ذاته، والعقل يمنحه منهج النظر، و المفاهيم تمنحه خريطة الحياة، والأخلاق الاجتماعية تختبر هذا البناء في الآخر ايا كان دينيا او عرقيا او ايديولوجيا، والشهادة الحضارية تحول البناء كله إلى رسالة مرئية في العالم.
كل هذا وغيره موجود داخل هذا الكنز الثمين المسمى بالقصص القرآني، وكان أمامي مادة مذهلة لقصص ممتد، على المستوى الأفقي بتعدد شخوصه وموضوعاته، وعلى المستوى الرأسي بثراء غير مسبوق في كل قصة… أحداثا وتفاصيلا ودروسا.
إبراهيم مثلا ربما يكون النموذج الأوضح؛ لأننا نراه يبحث ويعرف ربه، ثم تتشكل ذاته بالابتلاء، ويشتغل عقله في محاججة قومه، وتُعاد صياغة مفاهيم كبرى لديه عن الأبوة والوطن والرزق والأمن، ثم تتشكل علاقته بالناس، وتنتهي رحلته إلى شيء يتجاوز إبراهيم نفسه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.
وموسى أكثر ثراءً؛ لأننا نستطيع أن نتابع صناعة الإنسان ثم صناعة الجماعة ثم حمل الرسالة ومواجهة السلطة وبناء بني إسرائيل.
ويوسف مهم لأنه يقدم المسار داخل عالم مختلف تمامًا: أسرة، فتنة، سجن، اقتصاد، سلطة، مجتمع؛ وينتهي الإنسان الذي تربى داخل القصة إلى إدارة أزمة مجتمع كامل.
ومحمد ﷺ نفسه – كما يرسم القرآن شخصيته ورسالته، لا كما ترويها كتب السيرة فقط، سيكون الاختبار الأقوى.
حتى القصص الخاص بالنماذج الفاسدة… فرعون أو قارون أو “الذي آتيناه آياتنا..”، أو “الذي حاج إبراهيم في ربه… ” أو غيرهم؛ لأن النظرية إن كانت حقيقية فينبغي ألا نراها فقط حين ينجح البناء، بل أن نستطيع رؤية انهيار الإنسان عندما تختل حلقاته.
ففي نموذج فرعون مثلا: تصور فاسد عن الله، ينتج تصورًا متضخمًا عن الذات، يفسد طريقة النظر، ثم يعيد تعريف القوة والمال والنجاح تعريفًا منحرفًا، فيفسد التعامل مع الناس، وينتهي بدل العمران إلى الفساد: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ… إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾.
وهكذا.. ولكي ترى معي رحلة البحث كيف تمت داخل أحد تلك النماذج، سأخبرك في بوست قادم عن قصة إبراهيم عليه السلام، وكيف استطعت من خلالها إثبات تلك النظرية القرآنية التي تصلح أن تكون بداية لمقاربة قرآنية جديدة تؤتي ثمارها إنسانا قرآنيا قادرا على مجابهة الحياة وفق مراد ربه.