«أسكيا محمد توريه.. قائد مسلم صنع مجدًا في غرب إفريقيا.. فهل غُيِّب عن ذاكرتنا التاريخية؟»

 كتب دكتور/ شريف الجندي 

إنه أمير المؤمنين ، وقامع الفجّار والكافرين، أسكيا الحاج محمد بن أبي بكر (1443–1538م)، فرّج الله تعالى به عن المسلمين الكروب، وأزال به عنهم البلاء والخطوب، واجتهد في إقامة ملة الإسلام وإصلاح أمور الأنام.

سنة 1492 م توفى حاكم إمبراطورية صنغاي في غاو ، في مالي الحالية ، السلطان العظيم «سوني علي»، و تولّى ولده «سوني بارو» الحكم، فرفض تحكيم الشريعة، ولم يُقِم شعائر الدين، وأراد نزع الهوية الإسلامية عن البلاد.

فثار عليه القائد محمد بن أبي بكر توريه، السنغالي الأصل، وحاربه، وتمكّن من هزيمته، وأصبح سلطانًا للمسلمين وأميرًا للمؤمنين، بعد دحره للمرتد «سوني بارو».

في عهد أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد بن أبي بكر، وصلت إمبراطورية صنغاي الإسلامية في مالي إلى قمة ازدهارها وتقدّمها ومجدها ورخائها، وأصبحت أعظم إمبراطورية في إفريقيا، وامتد نفوذها حتى بلغ المحيط غربًا، والطوارق شمالًا، ومملكة الوثنيين جنوبًا.

واشتهر بعدله وقوته وتنظيم جيوشه، واتخذت حركته مظهرًا إسلاميًا واضحًا؛ إذ اعتنى بتطبيق الشريعة الإسلامية، وقضى على مظاهر الفساد، وأنشأ المساجد.

ولما ملّكه الله جميع أرضه، وتمكّن في السلطنة، عزم على الذهاب إلى بيت الله الحرام للحج وزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، و ساؤ للحج ومعه ألف وخمسمائة من الرجال: خمسمائة فارس، وألف راجل، وثلاثمائة ألف من الذهب.

وتصدّق الأمير في الحرمين من ذلك المال بمائة ألف ذهبًا، واشترى جنانًا في المدينة المشرفة بمائة ألف، وحبسها على أهل بلاده تطعم فقراء أهل الحرمين ، وهي معروفة هنالك، واشترى السلع وجميع ما يحتاج إليه بمائة ألف.

ولقي الخليفة العباسي في القاهرة المتوكل على الله الثالث ، فطلب منه أن يجعله خليفته في أرض صنغاي، فرضي له بذلك، و نصبه الخليفة العباسي خليفةً للسودان، وجعل على رأسه قلنسوة وعمامة من عنده و خلعة سوداء رمز للدولة العباسية ، فكان واليًا صحيحًا في الإسلام.

ورجع إلى بلاده في السنة الثالثة، فأصلح الله تعالى ملكه، ونصره نصرًا عزيزًا، وفتح له فتحًا مبينًا، فملك من أرض كنت إلى البحر المالح في المغرب وأحوازهما، ومن حدّ أرض بندك إلى تغز وأحوازهما، فطوّع الجميع بالسيف والقهر.

وفي السنة الرابعة من حكمه، غزا بوركينا فاسو و شمال غانا و توغو و بنين الحالية ، وهو سلطان منطقة اسمها موش الوثنية . ومشى معه الشيخ المبارك مور صالح جور، فأمره أن يعلنها جهادًا في سبيل الله في تلك البلاد ، فطلب أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد من الشيخ المذكور أن يكون رسولًا بينه وبين سلطان موش، فقبل، ووصل إليه في عاصمته ، وبلّغه رسالة أسكيا في الدخول في الإسلام.

فقال له: حتى أشاور آبائي الذين في الآخرة.

فمشى إلى بيت صنمهم مع وزرائه، ومشى الشيخ معهم لينظر كيف يشاور الأموات. فعملوا ما يعملون من عوائدهم من طقوس السحر الأسود ، فظهر لهم شيخ كبير، فلما رأوه سجدوا له، وأخبروه الخبر.

فتكلّم لهم بلسانهم وقال: «لا أقبل لكم ذلك أبدًا، بل تقاتلونه حتى تفنوا عن آخركم، أو يفنوا عن آخرهم».

فقال نعسر للشيخ المبارك: «ارجع إليه وقل له: ما بيننا وبينه إلا الحرب والقتال».

ثم قال لذلك الشخص الذي ظهر في صورة الشيخ، بعد ما خرج الناس من ذلك البيت: «سألتك بالله العظيم، من أنت؟»

فقال: «أنا إبليس، أغويهم لكي يموتوا على الكفر» و يحتمل أن يكون ذلك الشيخ أحد الكهنة أو الشياطين .

فرجع إلى الأمير أسكيا الحاج محمد، وأخبره بجميع ما جرى.

فقال: «عليك الآن بالقتال فيهم».

فقاتل الأمير جيش عباد الشيطان، وقتل رجالهم، وخرّب أرضهم وديارهم، وسبى ذراريهم.

ويُحكى أنه في السنة الثامنة عشرة من حكمه، ادّعى أحد الأشخاص، ويُدعى «تينض»، النبوة، فجمع أمير المؤمنين جيشًا جرارًا، وغزاه في أرضه، وقتله، وجعله عبرةً لمن يعتبر.

وبلغت إمبراطورية صنغاي في عهده أقصى اتساع لها، حتى صارت أضخم من إمبراطورية مالي الإسلامية، التي كان ملوك صنغاي الأوائل يتبعون اليها ، و اتسعت إمبراطورية صنغاي في عهد أسكيا محمد حتى سواحل السنغال وموريتانيا على المحيط الأطلسي، وشمالًا إلى مناطق تقع اليوم في جنوب الجزائر، وشرقًا إلى النيجر وشمال نيجيريا، ولا سيما مناطق قبائل الهوسا الوثنية ، وجنوبًا إلى مناطق تقع اليوم في بوركينا فاسو و نيجيريا و البينين و توغو و غانا .

ولكن حكمه آذن بالزوال حينما أُصيب بالعمى، وانتابه المرض، وتآمر عليه أولاده، فعزله أحدهم وهو أسكيا موسى وتولّى الحكم في سنة (1529م).

وقد جرت سنة الله أن يبتلي عباده الصالحين.

واستمر أسكيا محمد الأول سجين داره، فاقد البصر، حتى تُوفّي بعد ذلك بأعوام قليلة، عن عمر يناهز 95 عامًا، بعد أن أسّس إمبراطورية واسعة الأرجاء، ونشر الإسلام في كثير من البلدان المحيطة به، وأقام الشرع.

وقد قضى أمير المؤمنين أسكيا الحاج محمد بن أبي بكر حياته بين العبادة والغزو ونشر الإسلام، فرحمه الله عليه رحمة واسعة

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *