الرضا بالقدر وحب ما تعمل: كيف قادت الصدفة والقرارات الفجائية إلى رحلة نجاح ملهمة؟

كتب دكتور/ شريف الجندي

وصفه النجاح. الرضا بالقدر و حب ما تعمل…………….. انا ما كنتش طالب شاطر اوي يعني … ولا شاطر اساسا … كنت ضعيف جدا في اي مادة فيها ارقام و دة بسبب عقدة من مدرس رياضة الله يحرقه … و في نفس الوقت عندي مشكلة في الحفظ الصم و بنسى بسرعة اوي … فلما جيت اختار ادخل علمي ولا ادبي قبلها بسنتين كنت محتاس حوسة رهيبة … مش عارف اختار ايه … بس كرهي في الارقام خلاني افكر ادخل ادبي …. امي صوتت و رفضت رفض بات علشان كانت بتعاني معايا في مذاكرة التاريخ والجغرافيا و اسامي الموانئ و تواريخ الملوك و الهم دة كله … فدبينا خناقة كبيرة و دخلت في الاخر علمي علوم … بس علشان كنت باعشق الأحياء .

ما كنتش محدد اصلا ادخل كليه ايه… بس على الاقل اكيد مش طب زي ابويا و اخويا علشان عارف من الاول اني مش حاجيب مجموع عالي ولا صيدلة زي امي علشان كمان عارف اني باكره الكيمياء و كل الرموز و التركيبات و المعادلات اللي كانت بتتبخر من دماغي اسرع من السبرتو … ف فعلا ما كنتش خالص مفكر في حاجة غير في كلية فنون جميلة … الهواية اللي كانت عندي بما اني قضيت طفولتي كلها ارسم و الون .

دخلت امتحان القدرات اللي ساعتها كان بيتعمل في وسط الأسبوعين المكثفين بتوع الامتحانات….

لما طلعت النتيجة لاقيت نفسي جايب ٧٦ ونص في المئة …. و هو دة كان مستوايا حقيقي …

سنتها … كانت اول سنة كلية طب توصل انها تاخد مجموع فوق ال٩٠% …

كنت اول المرحلة التانية و اتفاحئت ان فنون جميلة اخدت ٧٧% … يعني فرقت درجتين فقط من ٤٠٠ علشان احقق حلمي و ادخل .

سنتها … وزير التربية و التعليم … صحي من النوم و قرر قرار غير مفهوم … قرر ان جميع الجامعات حاتاخد نفس المجموع … يعني القاهرة زي الاقاليم … يعني حتى مش حاعرف ادخل فنون جميلة اقاليم وارجع احول بعد كدة …

قرار …مالوش ميتين معني … علشان السنة اللي بعدها … نفس الوزير دة …غير القرار و رجع في كلامه !

المهم ان الوضع اصبح اني ما بقتش عارف خالص ادخل كلية ايه … حلم فنون جميلة اتمسح بقرار من وزير بمنتهى البساطة …

احتست حوسة ما بعدها حوسة … بدأت امي تزن عليا اني ادخل كلية تجارة … رفضت رفض تام …. ” على جثتي … مش حادخل انا كلية علشان تتحول كل حياتي ارقام !!!

خناقة كبيرة … ” يا ابني … انت عندك فرنساوي وانجليزي … تخلص تجارة و تشتغل في بنك محترم باللغات بتاعتك دي ” … و انا اللي نازل عليا اقول لها ” over my dead body” …

ساعتها …تشاء الظروف المحضة ….ان تيجي صديقة لأمي … و تحكيلي عن كلية اداب فرنسي … اللي كنت اجهل اي حاجة عن وجودها اصلا … بما ان كل العيلة في المجال العلمي … فاتشجعت … و دخلت اداب فرنسي و جوايا حزن شديد على ضياع حلم فنون جميلة …

بس بصراحة … الحياة كانت مخبيالي مفاجأة جميلة … لاقيت ان دراسة الأدب الفرنسي ممتعة جدا … و بما اني كتت شاطر اصلا في الفرنساوي … فكنت مستمتع جدا بالمحاضرات …اصبحت صديق جميع الدكاترة … احضر و اناقش واعمل أبحاث و اعرضها على الطلبة في المحاضرات …

افتكر دكتورة فايزة أندراوس … كانت رعب جميع الطلبة … بس كانت طيبة جدا معايا … تحبني و تحب الطلبة الشاطرين اللي عندهم شخصية … كانت تشوفني في الكوريدور بتاع الكلية … تبوسني زي ام حنونة فخورة بابنها … تقول لي ” حايقولوا دكتورة بتبوس طالب في الكلية … حاقولهم مالكمش دعوة ….” نضحك و ندخل سوا قاعة المحاضرات و استمتع بكل لحظة من محاضراتها في علم الصوتيات ( فونيتيك ) او النحو او تحليل النص .

افتكر كمان دكتورة عليا الروبي اللي من اصول تركية … طويلة و شيك و وقورة … كنت اقعد في اول صف اكتب كل كلمة من المحاضرات بتاعتها و انا مركز في كل حاجة … و لو اختلفت معاها في تحليل الشخصية المسرحية مثلا … اناقشها … و اقول رأي ….تقف تسمعني و ترد عليا بشكل أكاديمي شيق … و تسألني في الاخر لو اقتنعت بتحليلها … فأهز راسي و اقول لها Oui Madame … تبتسم لي في هدوء و اشوف في ابتسامتها استمتعها بأنها وجدت طالب يقاوح معاها و يعمق التحليل النصي اللي نشتغل عليه …

لحد دلوقتي … مافيش عيد يجي الا لازم نكلم بعض في التليفون علشان اعيد عليها في العيد الصغير و العيد الكبير و راس السنة … و هي تكلمني في الكريسمس و عيد القيامة تعيد عليا هي كمان …حتى يومنا دة مع اني متخرج من ٣٦ سنة …

دكاترة كتير حبتهم جدا : دكتورة منى صفوت الجميلة .. دكتورة اماني لافوريه… دكتورة تمارا الله يرحمها …

٤ سنين في الجامعة … في كلية كنت اجهل وجودها اصلا بين الكليات ….استمتعت بكل لحظة … بكل مادة … بنيت علاقات رائعة مع معظم الدكاترة … علاقات مستمرة حتى الان ! …

و انا في رابعة … لاقيت دكتورة هدى وصفي … اللي كانت ساعتها رئيسة القسم بتنده عليا و تقول لي ” ناجي … احنا اخترناك طالب مثالي على مستوى القسم ” فرحت جدا … دخلت مسابقة الطلاب المثاليين على مستوى الكلية … لاقيت نفسي امام عميد الكلية اللي هو كان في نفس الوقت رئيس قسم يوناني و لاتيني … وسألني السؤال المستفز : هل تعتقد ان دراسة اللغة اللاتينية مهمة لدارسي الادب الفرنسي ؟

سؤال مستفز علشان كنت باكره اللاتيني …او على الاقل الطريقة اللي كنا بندرسه بيها … و كان دة ردي :

” مش مهم اطلاقا … حاقول لحضرتك ليه : احنا ١٥٠ بنت و ٣ اولاد ….اغلبية الطلبة حاتخلص و تشتغل في مجالات ليس لها اي علاقة بالفرنساوي ولا باللاتيني … قليل جدا حايتعمقوا في اللغة و يكملوا دراسات عليا … دول طبعا لازم يتعلموا لاتيني … فأنا باقترح ندرس ادب مقارن بدل اللاتيني في الاربع سنين بتوع الكلية … على الاقل يفتح لنا افاق و معلومات جديدة … و نخلي اللاتيني لتمهيدي ماجيستير … !

طبعا الدكتور عميد الكلية ماعجبوش كلامي … و زميلتي في القسم … الطالبة المثالية االلي كانت معايا … بعد المقابلة … قالت لي : ايه الزفت اللي قولته دة ؟ ادي دقني لو عديت السنة دي … ! اترعبت … جريت حكيت لدكتورة عليا على اللي حصل … قالت لي : ناجي .. شابوه … احنا بقالنا سنين بنقول نفس الكلام للكلية بس الإدارة مش مقتنعة … كويس اوي انهم يشوفوا ان الطالب المثالي بتاعنا بيقول نفس كلامنا …

لما بينت لها اني خايف ان الكلية تسقطني في اللاتيني … طمنتني و قالت لي : ما تخافش … لو لاقيناك نازل في اللاتيني حانعيد تصحيح الورقة …

طلعت النتيجة … ولاقيت نفسي ناجح بس واخد مقبول فقط في اللاتيني .

خلصت الكلية … الكلية اللي ماكنتش اعرف اي حاجة عن وجودها اصلا قبل كدة ….و اللي دخلتها بسبب المجموع … بسبب قرار غير مبرر من وزير اللي ضيع عليا فنون جميلة .. بس ما كنتش متخيل اني حاقضي ٤ سنين من اجمل سنين عمري …

انطلقت في عالم التدريس ….٢٨ سنة من مهنة عشقتها ….

مع كل دة ….دخلت عالم المسرح ….العالم اللي رجعت الاقي نفسي محاط فيه بفنانين كتيرة خريجة فنون جميلة … آداب … طب … سياسة و اقتصاد ….هندسة … تجارة … و كليات كتيرة تانية ..

بعد ٢٨ سنة تدريس … دخلت خطوة خطوة عالم التمثيل و بأكتشف فيه يوم ورى يوم مغامرات و عوالم و حواديت ….

مع الوقت فهمت … فهمت و شوفت ان كل واحد فينا … بيلاقي طريقة يحقق بيها حلمه ….او على الاقل … جزء من حلمه … المهم بس اننا نلاقي طريقة نعشق ما نعمله … حتى ابسط الاشياء !

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *