‏الأرض المباركة في قصة إبراهيم ولوط: قراءة قرآنية في موضع البيت والبلد الآمن

 الشريف محمد بن علي الحسني

‏رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

‏يطرح يوسف أبو عواد في حواره على منصة «مجتمع» مع باسم الجمل قراءة مترابطة لمسار الأمم بعد الطوفان، تبدأ بقوم نوح ثم عاد ثم ثمود وأصحاب الرس، ثم تنتقل إلى مرحلة إبراهيم ولوط عليهما السلام. وفي هذه المرحلة يقرر أن القرآن يتحدث عن جماعتين هما قوم إبراهيم وقوم لوط، ويربط بين نجاة إبراهيم ولوط، والإسراء بلوط وأهله، ثم الانتقال إلى الأرض التي وصفها القرآن بالبركة.

‏والمدخل الأساس في هذه القراءة قوله تعالى:

‏{وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 71].

‏هذه الآية لا تتحدث عن نجاة مجردة، بل عن انتقال إلى أرض موصوفة بالبركة للعالمين. ومن هنا يبدأ البحث في تحديد هذه الأرض من داخل القرآن نفسه.

‏فالقرآن يصف بكة بقوله:

‏{إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96].

‏وهنا يجتمع في الموضع نفسه وصفان شديدا الدلالة: البركة والعالمون. الأرض التي نُجّي إليها إبراهيم ولوط وُصفت بأنها مباركة للعالمين، وبكة وُصف بيتها بأنه مبارك وهدى للعالمين. وليس الأمر مجرد تشابه لفظي عابر، بل بنية قرآنية متصلة بإبراهيم نفسه.

‏فالقرآن بعد ذلك يضع إبراهيم في هذا الموضع عند البيت:

‏{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ} [البقرة: 127].

‏إذن نحن أمام إبراهيم نفسه، في أرض فيها البيت، ومعه إسماعيل عليه السلام، يرفعان قواعده. ثم يتصل المشهد بدعائه للأرض التي صار فيها البيت:

‏{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا} [البقرة: 126].

‏ثم بعد استقرار معالم المكان يقول:

‏{رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا} [إبراهيم: 35].

‏ويزيد السياق بيانًا بقوله:

‏{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} [إبراهيم: 37].

‏فالمشهد القرآني يصبح متماسكًا: أرض مباركة للعالمين، فيها البيت المبارك، يرفع إبراهيم قواعده مع إسماعيل، ثم يدعو إبراهيم للبلد بالأمن، ويسكن من ذريته عند البيت المحرم.

‏ومن هنا فإن تفسير الأرض المباركة في قصة إبراهيم بأرض البيت الحرام له بناء قرآني داخلي واضح؛ فالقرآن نفسه يعيد ربط إبراهيم مرارًا بالبيت وبكة والبركة والأمن والذرية.

‏أما لوط عليه السلام، فالقرآن يقرر نجاته وأهله مع استثناء امرأته:

‏{فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ} [هود: 81]،

‏ويقول:

‏{فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ} [الأعراف: 83].

‏فالأمر بالإسراء هنا جزء من حركة النجاة والخروج من أرض العذاب، وليس مجرد حادث مستقل. والقرآن يستعمل الإسراء أيضًا مع موسى:

‏{فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا} [الدخان: 23]،

‏ومع سيدنا محمد صلوات الله عليه وآله:

‏{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا} [الإسراء: 1].

‏وهذا يدل على أن الإسراء حركة انتقال ليلية بأمر الله، لا أنه بذاته اسم نسب أو علم لشخص.

‏وعند جمع هذه المواضع تتبين فائدة منهجية مهمة: القرآن لا يقدم قصة إبراهيم في جزر منفصلة؛ بل يربط بين النجاة، والهجرة، والأرض المباركة، والبيت، وإسماعيل، والبلد الآمن. ولذلك فإن قراءة الأرض المباركة على أنها أرض البيت الحرام ليست مبنية على لفظ واحد، بل على ترابط قرآني متكامل.

‏ومع هذا يبقى من الضروري التمييز بين هذه النقطة وبين دعاوى أخرى في طرح المتحدث؛ فقول إن إبراهيم ولوط توجها إلى الأرض المباركة له أصل قرآني، وربط هذه الأرض بأرض البيت يمكن بناؤه من مجموع الآيات، أما القول إن قوم إبراهيم وقوم لوط هما وحدهما كل من بقي من ذرية من حُمِل مع نوح، أو أن إسرائيل هو لوط، فهذه مسائل أخرى تحتاج إلى أدلة مستقلة ولا تثبت بمجرد إثبات موضع الأرض المباركة.

‏وهذا هو الإنصاف في قراءة الطرح: نقبل ما يشهد له القرآن من داخل بنيته، ونفصل بينه وبين ما يحتاج إلى برهان زائد.

لمشاهدة الحلقة اضغط على الرابط التالي 

https://drive.google.com/file/d/1-30O6QgpFriypWjXKAz5TjSsuM8q04em/view?usp=drivesdk

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *