حين كان الصباح يطرق النافذة: رواية المنبّه البشري

الشريف محمد بن علي الحسني

رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية

في أحد أزقة القاهرة سنة 1904م، وقبل أن تمتلئ البيوت بساعات المنبّه، وقبل أن يحمل الناس هواتف تضبط لهم النوم والاستيقاظ، كان الصباح أحيانًا يأتي في هيئة رجل. يمشي في الحارة قبل أن يشتد صخبها، يعرف أبواب زبائنه ونوافذ غرفهم، ويحمل عصًا طويلة يرفعها إلى شباك في طابق مرتفع، ثم يطرق بها طرقات يعرف صاحب الغرفة معناها جيدًا. وراء النافذة رجل نائم؛ عامل ربما يسكن وحده، أو صاحب حرفة تبدأ مع أول النهار، أو موظف يعرف أن تأخره قد يخصم من أجر يومه. لا ساعة تصرخ إلى جوار رأسه، ولا هاتف يهتز تحت وسادته، وإنما رجل في الشارع يعرف موعده. ذلك هو المنبّه البشري. كان يتقاضى أجرًا أو اشتراكًا شهريًا، ويحفظ مواعيد المشتركين واحدًا واحدًا، ويعرف من يريد أن يستيقظ قبل الفجر، ومن يريد أن يقوم مع أول ضوء، ومن ينبغي أن يوقظه في ساعة بعينها حتى يلحق بعمله. وكانت العصا الطويلة أداة المهنة؛ يطرق بها على الزجاج أو الشباك، وينتظر، فإن لم يتحرك صاحب الغرفة أعاد الطرق، فإذا لاح له من الداخل ما يدل على أن النائم قد نهض مضى إلى المشترك التالي. كانت تلك خدمة حقيقية في مدينة صاخبة تتسع فيها الطبقة العاملة وتنتظم فيها مواعيد الأعمال، وكان الوقت نفسه خدمة يؤديها إنسان لإنسان.

لكن الإنسان، في الحقيقة، لم يبدأ علاقته بالتنبيه من ذلك الرجل، ففي داخله منذ القدم ساعة لا تُرى، تتكون بالتكرار وتنتظم بالعادة. وكل من عاش سنوات على نظام ثابت يعرف ذلك؛ قد يفتح الإنسان عينيه قبيل الموعد الذي اعتاده، وكأن الجسد قد حفظ الزمن من كثرة التكرار. ويظهر ذلك بصورة لافتة في حياة من ارتبطت أيامه بأوقات الصلوات؛ فمن اعتاد الاستيقاظ للفجر والانتقال في يومه من صلاة إلى صلاة، تتكون في حياته مع السنين ذاكرة زمنية داخلية، حتى يبدو الجسد أحيانًا كأنه يوقظ صاحبه قبل أن يوقظه أحد. فالعادة أيضًا نوع من التنبيه، والزمن حين يتكرر يترك أثره في الجسد. ومع ذلك ظل الإنسان محتاجًا إلى وسائل خارجية تعينه على ضبط يومه. فعرفت المدن قديمًا من يطوف ليلًا لحراستها، وعرفت ليالي رمضان المسحراتي الذي يوقظ الناس للسحور، ثم جاءت المدن الحديثة بحاجات أكثر دقة مع انتظام الأعمال والوظائف، فظهر الرجل الذي لا يوقظ الحي كله، بل يوقظ أفرادًا بأسمائهم وفي مواعيدهم. لم تكن هذه الوظائف أصلًا مباشرًا بعضها لبعض، لكنها جميعًا تعكس حقيقة واحدة: الحاجة تبقى، والأداة تتغير مع الزمن.

ثم جاءت الساعة. دخل المنبّه الميكانيكي إلى البيوت، وصار الجهاز الصغير الموضوع إلى جوار السرير قادرًا على أداء ما كان يفعله الرجل في الشارع. لم تحدث ثورة معلنة، ولم يستيقظ الناس ذات صباح ليجدوا قرارًا بإلغاء مهنة المنبّه البشري، لكن شيئًا أكثر هدوءًا وقع: كل بيت اشترى ساعة منبّه كان يستغني تدريجيًا عن رجل، وكل جهاز جديد كان يطرق نافذة المهنة نفسها حتى اختفت. لم تختفِ الحاجة إلى الاستيقاظ، وإنما اختفى الإنسان الذي كان يؤدي المهمة. ثم جاء الهاتف المحمول فابتلع الساعة ذاتها، وصار في جهاز واحد منبّه وساعة وتقويم وبريد ومصرف ومكتب ومتجر ووسيلة اتصال، واختفت من حياتنا أدوات كثيرة لأن جهازًا واحدًا حمل وظائفها جميعًا.

وبعد نحو مئة واثنين وعشرين عامًا من صورة ذلك الرجل في القاهرة، يقف العالم أمام مشهد يشبهه، لكن على نطاق أوسع بكثير. هذه المرة لا تقف التقنية تحت نافذة عامل واحد، بل تقف تحت نوافذ مهن كاملة. الخدمات البنكية انتقلت إلى التطبيقات، فتراجعت الحاجة إلى بعض الفروع والمعاملات الحضورية، والمعاملات الحكومية انتقلت إلى الشاشات، والاجتماعات خرجت من قاعات المكاتب إلى المنصات الرقمية، والعمل عن بُعد غيّر معنى المكتب نفسه، والتعليم دخل بقوة إلى العالم الرقمي، وكثير من الخدمات التي كانت تستلزم حضور موظف وعميل في مكان واحد أصبحت تنجز من مسافة بعيدة وبعدد أقل من الخطوات والأيدي.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي، وهنا لم تعد الآلة تنفذ الأوامر فقط، بل أصبحت تكتب، وتترجم، وتلخص، وتحلل، وتجيب، وتبرمج، وتنتج الصور، وتساعد في أعمال كانت إلى وقت قريب مرتبطة مباشرة بمهارات بشرية خالصة. ومن هنا يعود السؤال القديم نفسه بصورة جديدة: ماذا يحدث للمهنة حين تستطيع أداة جديدة أن تؤدي جانبًا كبيرًا منها بصورة أسرع وأقل كلفة؟ لقد أجابت القاهرة عن هذا السؤال قبل أكثر من قرن. كان هناك رجل يطرق النافذة، ثم جاء جهاز صغير فأنهى المهنة. واليوم قد يحدث الشيء نفسه في مهن نظنها ثابتة لأنها عاشت معنا طويلًا.

فالوظائف لا تختفي دائمًا لأن الحاجة إليها انتهت، بل قد تختفي لأن طريقة أخرى ظهرت لأداء الحاجة نفسها. وهذه هي العبرة التي تحفظها لنا صورة المنبّه البشري. لم يكن ذلك الرجل زائدًا عن حاجة عصره، بل كان ضرورة في زمنه، غير أن الزمن لا يمنح المهنة حصانة لمجرد أنها كانت ضرورية بالأمس. وربما ينظر أحفادنا بعد عقود إلى بعض وظائفنا الحالية كما ننظر نحن اليوم إلى صورة ذلك الرجل حامل العصا، ويقولون بدهشة: أكان هناك فعلًا إنسان يتقاضى أجرًا ليفعل هذا؟

كان المنبّه البشري يحمل عصًا طويلة ليطرق بها نافذة واحدة، أما الذكاء الاصطناعي اليوم فيطرق نوافذ سوق العمل كله. والسؤال لم يعد: هل سيطرق؟ بل: من سيسمع الطرق مبكرًا ويستيقظ؟

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *