المأمون في مصر.. رواية تاريخية ترصد عظمة أرض النيل وتفاصيل الحياة فيها قديمًا

كتب دكتور/ شريف الجندي 

تضم كتب التراث والتاريخ العديد من الروايات التي ترصد مكانة مصر وعظمة عمرانها وخصوبة أرضها عبر العصور، ومن بين تلك الروايات ما أورده الإمام جلال الدين السيوطي في كتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»، في حديثه عن دخول الخليفة المأمون إلى مصر وما قيل له عن تاريخها وما كانت عليه من عمران وزراعة وثروة.

وتروي الرواية أن المأمون، عندما دخل مصر، قال متعجبًا من ملك فرعون: «قبّح الله فرعون إذ قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾، فلو رأى العراق!»، فرد عليه سعيد بن عفير محذرًا من هذا القول، مستشهدًا بقول الله تعالى: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾، ثم قال له: فما ظنك بشيء دمّره الله، وهذه بقيته؟ فأجابه المأمون: «ما قصّرت يا سعيد».

ويواصل سعيد بن عفير، بحسب الرواية، وصف ما بلغه عن مصر في الأزمنة القديمة، مشيرًا إلى أنها كانت من أعظم البلاد، وأن مختلف الأقاليم كانت تحتاج إليها، كما كانت شبكة الأنهار والقناطر والجسور منظمة بصورة تسمح بالتحكم في حركة المياه، فتجري المياه بالقرب من المنازل والأفنية، ويمكن حبسها أو إطلاقها بحسب الحاجة.

كما تصف الرواية انتشار البساتين على جانبي نهر النيل، من أسوان حتى رشيد، بصورة متصلة، وتورد وصفًا لكثرة الأشجار والخضرة، حتى إنها كانت تحجب ما حولها من شدة كثافتها، في صورة تعكس ما تنقله كتب التراث عن وفرة الزراعة والغطاء النباتي في مصر القديمة.

وتذكر الرواية كذلك أن سكان مصر كانوا ينتمون إلى جماعات متعددة، مع الإشارة إلى أن غالبية السكان كانوا من القبط، وأن جزءًا كبيرًا من ملكية الأراضي كان بيد الغرباء.

وتشير الرواية إلى تقسيم مصر إلى 85 كورة، منها 45 كورة في الوجه البحري و40 كورة في الصعيد، وكان لكل كورة رئيس من الكهنة، وتتناول كذلك بعض المعلومات المتداولة في المصادر القديمة عن مدن مصر التاريخية.

وتذكر الرواية أن مصر القديمة كانت تُعرف باسم «أقسوس»، وأن منف كانت مدينة الملوك قبل أن تتعرض للخراب على يد بختنصر، كما تورد أوصافًا لما كانت عليه المدينة من أبواب وأسوار ومنشآت، وتذكر أن طولها بلغ، وفق الرواية، اثني عشر ميلًا.

وفي ختام هذا الوصف، تورد الرواية رقمًا ضخمًا لما قيل إنه كان من جباية مصر، مقداره تسعون ألف ألف دينار، مكررة مرتين بالدينار الفرعوني، الذي وصفته الرواية بأنه يعادل ثلاثة مثاقيل.

وتبقى هذه الرواية واحدة من النصوص التي نقلها السيوطي ضمن حديثه عن تاريخ مصر، بما تحمله من أوصاف لما كانت عليه البلاد من عمران وزراعة ونظام للري ومكانة اقتصادية، مع التأكيد على أنها رواية تراثية منقولة في كتاب تاريخي، وليست بالضرورة وصفًا موثقًا وفق المعايير التاريخية الحديثة لكل التفاصيل الواردة فيها.

المصدر:

كتاب «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة»، للإمام جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المتوفى سنة 911هـ.

موضوعات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *