كتب دكتور/ شريف الجندي
في واحدة من الصفحات الأقل تداولًا في التاريخ العسكري المصري، خرجت كتيبة مصرية سودانية من الإسكندرية عام 1863 متجهة إلى المكسيك، لتخوض على مدار أكثر من أربع سنوات عشرات الوقائع العسكرية في ظروف بالغة الصعوبة، قبل أن تعود إلى مصر بعد رحلة استثنائية بقيت تفاصيلها محفوظة في الوثائق.
تخيل أن تكون جنديًا في الجيش المصري عام 1863، تترك وطنك وأهلك وحياتك اليومية، وتتجه إلى حرب تجري في مكان يبعد آلاف الكيلومترات عن مصر، وفي زمن لم تكن فيه وسائل الاتصال الحديثة موجودة، فلا هاتف لتطمئن به على أسرتك، ولا وسيلة سريعة لمعرفة ما يجري في بلدك.
كانت الوجهة هذه المرة المكسيك، في واحدة من أغرب الرحلات العسكرية التي ارتبطت بتاريخ الجيش المصري خلال القرن التاسع عشر.
بداية الحكاية
بدأت القصة في ستينيات القرن التاسع عشر، عندما دخلت فرنسا في صراع عسكري داخل المكسيك. وكانت بريطانيا وإسبانيا قد شاركتا في البداية قبل أن تنسحبا، بينما واصلت فرنسا تدخلها العسكري.
وفي ذلك الوقت، طلب نابليون الثالث، إمبراطور فرنسا، من سعيد باشا، والي مصر، إرسال قوات مصرية للمشاركة في الحملة العسكرية بالمكسيك، فوافق سعيد باشا على الطلب.
وفي يناير عام 1863، غادرت كتيبة مصرية سودانية مكونة من 453 ضابطًا وجنديًا الأراضي المصرية، متجهة إلى المكسيك.
وكانت الرحلة البحرية نفسها شاقة؛ إذ استغرقت نحو 47 يومًا حتى وصلت القوات إلى ميناء فيراكروز المكسيكي.
لكن الوصول إلى المكسيك لم يكن سوى بداية المعاناة.
المرض كان عدوًا آخر
وجد الجنود أنفسهم في بيئة مختلفة تمامًا عن التي اعتادوا عليها؛ مناخ شديد الحرارة، وأمراض منتشرة، من بينها الحمى الصفراء والدوسنتاريا، فضلًا عن اختلاف الطعام واللغة والظروف المعيشية.
كما واجهت الكتيبة في بدايتها مشكلة تتعلق بالتسليح، بعدما كانت البنادق التي بحوزتها مختلفة عن الأسلحة المستخدمة لدى القوات الفرنسية، الأمر الذي أدى إلى تغييرها.
ولم تمضِ فترة طويلة حتى تعرضت الكتيبة لضربة قاسية، إذ توفي قائدها متأثرًا بالحمى الصفراء، بينما واصل الجنود مهمتهم في أرض بعيدة عن وطنهم.
ولم تكن مشاركتهم في المكسيك أيامًا أو أشهرًا قليلة، وإنما امتدت لسنوات.
فقد استمرت مهمة الأورطة المصرية السودانية من فبراير 1863 حتى مارس 1867، أي نحو أربع سنوات و17 يومًا.
وبحسب ما سجله الأمير عمر طوسون، شاركت الكتيبة خلال وجودها في المكسيك في 48 واقعة حربية.
أربع سنوات بعيدًا عن مصر
خلال تلك السنوات، عاش الجنود المصريون والسودانيون تجربة استثنائية بكل المقاييس.
آلاف الكيلومترات تفصلهم عن الوطن، وأمراض تحصد الأرواح، ومعارك تفرض عليهم مواجهة ظروف قاسية، بينما كانت وسائل الاتصال في ذلك العصر محدودة للغاية.
لم تكن هناك مكالمات هاتفية أو رسائل فورية يستطيع الجندي من خلالها الاطمئنان على أسرته، وكانت الأخبار بين مصر والمكسيك تحتاج إلى وقت طويل حتى تصل.
وكانت كل رسالة تصل من الوطن تحمل معها أخبارًا قديمة، فيما ظل الجنود بعيدين عن أسرهم طوال سنوات.
العودة إلى مصر
في عام 1867، صدر قرار بانسحاب القوات الفرنسية من المكسيك، لتبدأ رحلة عودة الأورطة المصرية السودانية إلى مصر.
لكن عدد العائدين لم يكن هو نفسه عدد الذين غادروا الإسكندرية.
فقد خرجت الكتيبة من مصر عام 1863 وقوامها 453 رجلًا، بينما وصلت الدفعة الرئيسية إلى مصر وعدد أفرادها 313 رجلًا، بفارق بلغ 140 رجلًا.
إلا أن هذا الفارق لا يعني أن جميع هؤلاء فقدوا حياتهم في المكسيك؛ إذ تشير الروايات التي وثقها الأمير عمر طوسون إلى أن جنديًا آخر عاد لاحقًا بعدما كان يتلقى العلاج في أحد مستشفيات باريس، كما عاد جنديان آخران بعد إطلاق سراحهما إثر وقوعهما في الأسر لدى القوات المكسيكية.
وهكذا لم تنتهِ رحلة بعض أفراد الكتيبة بمجرد انتهاء الحرب، بل استمرت عودتهم إلى الوطن حتى بعد انتهاء المهمة العسكرية.
تكريم العائدين
وصل أفراد الكتيبة إلى الإسكندرية، وفي مايو عام 1867 استعرضهم الخديو إسماعيل في قصر رأس التين، وجرى تكريمهم ومنح عدد منهم ترقيات.
كما سبق أن كرم نابليون الثالث عددًا من أفراد الكتيبة في فرنسا قبل عودتهم إلى مصر.
لكن السنوات مضت، ورحل أفراد الكتيبة، ثم رحل أبناؤهم وأحفادهم، وبدأت تفاصيل هذه التجربة العسكرية النادرة تتراجع في الذاكرة العامة.
عمر طوسون يعيد الحكاية إلى الواجهة
بعد مرور عقود، جاء دور الأمير عمر طوسون في إعادة جمع تفاصيل هذه الصفحة من التاريخ.
فقد اهتم بالوثائق والأسماء والتقارير المرتبطة بالكتيبة، وأصدر عام 1933 كتابًا حمل عنوان:
«بطولة الأورطة السودانية المصرية في حرب المكسيك».
وفي صفحات الكتاب، لم تعد الكتيبة مجرد رقم في سجل عسكري، بل ظهرت أسماء رجال شاركوا في هذه الرحلة الاستثنائية، من بينهم:
عبد النبي عبد الكريم، إبراهيم عبد الرحمن، رمضان كوكو، كوكو سودان، الحاج حسن سدير، محمد عبده، وغيرهم من أفراد الكتيبة.
أسماء لجنود كان لكل واحد منهم وطن وأسرة وحياة، ثم أصبحوا بعد مرور أكثر من قرن ونصف جزءًا من سجل تاريخي قد لا يعرفه كثيرون.
صفحة منسية في التاريخ العسكري المصري
قصة الأورطة المصرية السودانية في المكسيك لا تتعلق فقط بمعركة أو حملة عسكرية، وإنما تكشف جانبًا من تاريخ الجيش المصري خلال القرن التاسع عشر، عندما وجد جنود مصريون وسودانيون أنفسهم في واحدة من أبعد مناطق العالم عن وطنهم.
خرج 453 رجلًا من مصر عام 1863، وعاد معظم من بقي منهم إلى الوطن بعد أكثر من أربع سنوات من المعارك والأمراض والبعد عن الأهل.
وبين الأرقام والأسماء، توجد حكايات إنسانية كاملة لجنود عاشوا تجربة لا تزال تفاصيلها تثير الاهتمام بعد مرور نحو قرن ونصف.
إنها قصة أورطة مصرية سودانية حاربت في المكسيك، صفحة نادرة من التاريخ العسكري المصري، أعاد الأمير عمر طوسون توثيق جانب كبير منها حتى لا تختفي أسماء أصحابها من الذاكرة.
453 رجلًا غادروا مصر.. وبينما عاد معظم الناجين، بقيت حكايتهم شاهدًا على فصل استثنائي من تاريخ الجيش المصري خارج حدود الوطن.